قوله تعالى : ( فكلوا مما أمسكن عليكم ) يقتضي جواز صيده وإباحة أكله ، ولم يفرق بين
أن يكون مالكه مسلما أو مجوسيا . وأيضا فإن الكلب آلة كالسكين يذبح بها والقوس
يرمى عنها ، فواجب أن لا يختلف حكم الكلب لمن كان كسائر الآلات التي يصطاد بها .
وأيضا فلا اعتبار بالكلب وإنما الاعتبار بالمرسل ، ألا ترى أن مجوسيا لو اصطاد بكلب
مسلم لم يجز أكله ؟ وكذلك اصطياد المسلم بكلب المجوسي ينبغي أن يحل أكله .
فإن قيل : قال الله تعالى : ( يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما
علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله ) ومعلوم أن ذلك خطاب
للمؤمنين ، فواجب أن يكون تعليم المسلم شرطا في الإباحة . قيل له : لا يخلو تعليم
المجوسي من أن يكون مثل تعليم المسلم المشروط في إباحة الذكاة أو مقصرا عنه ، فإن
كان مثله فلا اعتبار بالمعلم وإنما الاعتبار بحصول التعليم ، ألا ترى أنه لو ملكه مسلم
وهو معلم كتعليم المسلم جاز أكل ما صاده ؟ فإذا لا اعتبار بالملك وإنما الاعتبار
بالتعليم . وإن كان تعليم المجوسي مقصرا عن تعليم المسلم حتى يخل عند الاصطياد
ببعض شرائط الذكاة فهذا كلب غير معلم ، ولا يختلف حينئذ حكم ملك المجوسي
والمسلم في حظر ما يصطاده . وأما قوله : ( تعلمونهن مما علمكم الله ) فإنه وإن كان
خطابا للمسلمين فالمقصد فيه حصول التعليم للكلب ، فإذا علمه المجوسي كتعليم
المسلم فقد وجد المعنى المشروط ، فلا اعتبار بعد ذلك بملك المجوسي .
واختلفوا في الصيد يدركه حيا ، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد فيمن يدرك
صيد الكلب أو السهم فيحصل في يده حيا ثم يموت : " فإنه لا يؤكل ، وإن لم يقدر على
ذبحه حتى مات " . وقال مالك والشافعي : " إن لم يقدر على ذبحه حتى مات أكل وإن
مات في يده وإن قدر على ذبحه فلم يذبحه لم يؤكل وإن لم يحصل في يده " . وقال
الثوري : إن قدر أن يأخذه من الكلب فيذبحه فلم يفعل لم يؤكل " . وقال الأوزاعي : " إذا
أمكنه أن يذكيه ولم يفعل لم يؤكل ، وإن لم يمكنه حتى مات بعد ما صار في يده أكل " .
وقال الليث : " إن أدركه في في الكلب فأخرج سكينه من خفه أو منطقته ليذبحه فمات
أكله ، وإن ذهب ليخرج السكين من خرجه فمات قبل أن يذبحه لم يأكله " .
قال أبو بكر : إذا حصل في يده حيا فلا اعتبار بإمكان ذبحه أو تعذره في أن شرط
ذكاته الذبح ، وذلك لأن الكلب إنما حل صيده لامتناع الصيد وتعذر الوصول إليه إلا
من هذه الجهة ، فإذا حصل في يده حيا فقد زال المعنى الذي من أجله أبيح صيده وصار
بمنزلة سائر البهائم التي يخاف عليها الموت ، فلا تكون ذكاته إلا بالذبح سواء مات في
وقت لا يقدر على ذبحه أو قدر عليه ، والمعنى فيه كونه في يده حيا .
أحكام القرآن — صفحة 402
مساهمون: الجصاص
ص٤٠٢