مستوحش في الأصل ، ولا يجوز أن يكون تعليمه بأن يضرب ليترك الأكل ، فثبت أن
تعليمه بألفه لصاحبه وزوال الوحشة منه بأن يدعوه فيجيبه ، فيزول بذلك عن طبعه الأول
ويكون ذلك علما لتعليمه .
وقوله تعالى : ( فكلوا مما أمسكن عليكم ) قيل فيه : إن " من " دخلت للتبعيض ،
ويكون معنى التبعيض فيه أن بعض ما يمسكه علينا مباح دون جميعه ، وهو الذي يجرحه
فيقتله دون ما يقتله بصدمه من غير جراحة . وقال بعضهم : إن " من " ههنا زائدة للتأكيد ،
كقوله تعالى : ( يكفر عنكم من سيئاتكم ) [ البقرة : 271 ] . وقال بعض النحويين : هذا
خطأ لأنها لا تزاد في الموجب وإنما تزاد في النفي والاستفهام ، وقوله تعالى : ( يكفر
عنكم من سيئاتكم ) [ البقرة : 271 ] ابتداء الغاية ، أي : يكفر عنكم أعمالكم التي تحبون
سترها عليكم من سيئاتكم ، قال : ويجوز أن يكون بمعنى يكفر عنكم من السيئات ما
يجوز تكفيره في الحكمة دون مالا يجوز ، لأنه خطاب عام لسائر المكلفين .
مطلب : لاحظ للاجتهاد مع اليقين
وقال أبو حنيفة في الكلب إذا أكل من الصيد وقد صاد قبل ذلك صيدا كثيرا ولم
يأكل منه : " إن جميع ما تقدم حرام لأنه قد تبين حين أكل أنه لم يكن معلما ، وقد كان
الحكم بتعليمه بديا حين ترك الأكل من طريق الاجتهاد وغالب الظن ، والحكم بنفي
التعليم عند الأكل من طريق اليقين ، ولاحظ للاجتهاد مع اليقين ، وقد يترك الأكل بديا
وهو غير معلم كما يترك سائر السباع فرائسها عند الاصطياد ولا يأكلها ساعة الاصطياد ،
فإنما يحكم إذا كثر منه ترك الأكل التعليم من جهة غالب الظن ، فإذا أكل منه بعد
ذلك حصل اليقين بنفي التعليم فيحرم ما قد اصطاده قبل ذلك " . وقال أبو يوسف
ومحمد : " إذا ترك الأكل ثلاث مرات فهو معلم ، فإن أكل بعد ذلك لم يحرم ما تقدم من
صيده ، لأنه جائز أن يكون قد نسي التعليم فلم يحرم ما قد حكم بإباحته بالاحتمال " .
وينبغي أن يكون مذهب أبي حنيفة محمولا على أنه أكل في مدة لا يكاد ينسى
فيها ، فإن تطاولت المدة في الاصطياد ثم اصطاد فأكل منه - وفي مثل تلك المدة يجوز أن
ينسى - فإنه ينبغي أن لا يحرم ما تقدم ، ويكون موضع الخلاف بينه وبين أبي يوسف
ومحمد أنهما يعتبران في شرط التعليم ترك الأكل ثلاث مرات ، وأبو حنيفة لا يحده
وإنما يعتبر ما يغلب في الظن من حصول التعليم ، فإذا غلب في الظن أنه معلم بترك
الأكل ثم أرسل مع قرب المدة فأكل منه ، فهو محكوم بأنه غير معلم فيما ترك أكله ، وإن
تطاولت المدة بإرساله بعد ترك الأكل حتى يظن في مثلها نسيان التعليم ، لم يحرم ما
أحكام القرآن — صفحة 400
مساهمون: الجصاص
ص٤٠٠