وذلك شامل لجميع ما شملته الإباحة وانتظمه الإطلاق ، لأن السؤال وقع عن جميع ما
يحل لهم من الصيد فخص الجواب بالأوصاف المذكورة ، فلا تجوز استباحة شئ منه إلا
على الوصف المذكور . ثم قال تعالى : ( تعلمونهن مما علمكم الله ) ، فروي عن سلمان
وسعد أن تعليمه أن يضرى على الصيد ويعود إلى إلف صاحبه حتى يرجع إليه ولا يهرب
عنه . وكذلك قال ابن عمر وسعيد بن المسيب ، ولم يشرطوا فيه ترك الأكل . وروي عن
غيرهما أن ذلك من تعليم الكلب ، وأن من شرط إباحة صيده أن لا يأكل منه ، فإن أكل
منه لم يؤكل ، وهو قول ابن عباس وعدي بن حاتم وأبي هريرة ، وقالوا جميعا في صيد
البازي إنه يؤكل منه وإن أكل منه ، وإنما تعليمه أن تدعوه فيجيبك .
ذكر اختلاف الفقهاء في ذلك
مطلب : لا يؤكل صيد الكلب المعلم إذا أكل منه ويؤكل صيد البازي وإن
أكل منه
قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر : " إذا أكل الكلب من الصيد فهو غير معلم
لا يؤكل صيده ، ويؤكل صيد البازي وإن أكل " ، وهو قول الثوري . وقال مالك والأوزاعي
والليث : " يؤكل وإن أكل الكلب منه " . وقال الشافعي : " لا يؤكل إذا أكل الكلب منه
والبازي مثله في القياس " . قال أبو بكر : اتفق السلف المجيزون لصيد الجوارح من سباع
الطير أن صيدها يؤكل وإن أكلت منه ، منهم سعد وابن عباس وسلمان وابن عمر وأبو
هريرة وسعيد بن المسيب ، وإنما اختلفوا في صيد الكلب ، فقال علي بن أبي طالب وابن
عباس وعدي بن حاتم وأبو هريرة وسعيد بن جبير وإبراهيم : " لا يؤكل صيد الكلب إذا
أكل منه " . وقال سلمان وسعد وابن عمر : " يؤكل صيده وإن لم يبق منه إلا ثلثه " . وهو
قول الحسن وعبيد بن عمير ، وإحدى الروايتين عن أبي هريرة وعطاء وسليمان بن يسار
وابن شهاب . قال أبو بكر : معلوم من حال الكلب قبوله للتأديب في ترك الأكل ، فجائز
أن يعلم تركه ويكون تركه للأكل علما للتعليم ودلالة عليه ، فيكون تركه للأكل من شرائط
صحة ذكاته ووجود الأكل مانع من صحة ذكاته . وأما البازي فإنه معلوم أنه لا يمكن
تعليمه بترك الأكل وأنه لا يقبل التعليم من هذه الجهة ، فإذ كان الله قد أباح صيد جميع
الجوارح على شرط التعليم فغير جائز أن يكون من شرط التعليم للبازي تركه الأكل ، إذ
لا سبيل إلى تعليمه ذلك ، ولا يجوز أن يكلفه الله تعليم ما لا يصح منه التعلم وقبول
التأديب ، فثبت أن ترك الأكل ليس من شرائط تعلم البازي وجوارح الطير ، وكان ذلك من
شرائط تعلم الكلب لأنه يقبله ويمكن تأديبه به . ويشبه أن يكون ما روي عن علي بن أبي
طالب وغيره في حظر ما قتله البازي ، من حيث كان عندهم أن من شرط التعليم ترك
أحكام القرآن — صفحة 396
مساهمون: الجصاص
ص٣٩٦