تعالى : ( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ) وقوع بين الفرقة بردة الزوج وزوال
سبيله عليها ، لأنه ما دام النكاح باقيا فحقوقه ثابتة وسبيله باق عليها .
فإن قيل : إنما قال : ( على المؤمنين ) فلا تدخل النساء فيه . قيل له : إطلاق لفظ
التذكير يشتمل على المؤنث والمذكر ، كقوله : ( إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا
موقوتا ) [ النساء : 103 ] وقد أراد به الرجال والنساء ، وكذلك قوله تعالى : ( يا أيها
الذين آمنوا اتقوا الله ) [ البقرة : 278 ] ونحوه من الألفاظ . ويحتج بظاهره أيضا في الكافر
الذمي إذا أسلمت امرأته أنه يفرق بينهما إن لم يسلم ، وفي الحربي كذلك أيضا ، فإنه لا
يجوز إقرارها تحته أبدا . ويحتج به أصحاب الشافعي في إبطال شرى الذمي للعبد
المسلم ، لأنه بالملك يستحق السبيل عليه . وليس ذلك كما قالوا ، لأن الشرى ليس هو
السبيل المنفي بالآية ، لأن الشرى ليس هو الملك ، والملك إنما يتعقب الشرى ، وحينئذ
يملك السبيل عليه ، فإذا ليس في الآية نفي الشرى وإنما فيها نفي السبيل . فإن قيل : إذا
كان الشرى هو المؤدي إلى حصول السبيل ، وجب أن يكون منتفيا كما كان السبيل
منتفيا . قيل له : ليس الأمر كذلك ، لأنه ليس يمتنع أن يكون السبيل عليه منتفيا ويكون
الشرى المؤدي إلى حصول السبيل جائزا ، وإنما أردت نفي الشرى بالآية نفسها ، فإن
ضممت إلى الآية معنى آخر في نفي الشرى فقد عدلت عن الاحتجاج بها وثبت بذلك أن
الآية غير مانعة صحة الشرى ، وأيضا فإنه لا يستحق بصحة الشرى السبيل عليه ، لأنه
ممنوع من استخدامه والتصرف فيه إلا بالبيع وإخراجه عن ملكه ، فلم يحصل له ههنا
سبيل عليه .
وقوله تعالى : ( إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم ) قيل فيه وجهان ،
أحدهما : يخادعون نبي الله والمؤمنين بما يظهرون من الإيمان لحقن دمائهم ومشاركة
المسلمين في غنائمهم والله تعالى يخادعهم حديث بالعقاب على خداعهم ، فسمى الجزاء على
الفعل باسمه على مزاوجة الكلام ، كقوله تعالى : ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه )
[ البقرة : 194 ] . والآخر : أنهم يعملون عمل المخادع لمالكه بما يظهرون من الإيمان
ويبطنون خلافه ، وهو يعمل عمل المخادع بما أمر به من قبول إيمانهم ، من علمهم بأن
الله عليم بما يبطنون من كفرهم .
وقوله تعالى : ( ولا يذكرون الله إلا قليلا ) قيل فيه : إنما سماه قليلا لأنه لغير
وجهه ، فهو قليل في المعنى وإن كثر الفعل منهم . وقال قتادة : " إنما سماه قليلا لأنه على
وجه الرياء ، فهو حقير غير متقبل منهم بل هو وبال عليهم " . وقيل : إنه أراد إلا يسيرا من
الذكر ، نحو ما يظهرونه للناس دون ما أمروا به من ذكر الله في كل حال أمر به المؤمنين
أحكام القرآن — صفحة 364
مساهمون: الجصاص
ص٣٦٤