وجوب إنكار المنكر على فاعله وأن من إنكاره إظهار الكراهة إذا لم يمكنه إزالته وترك
مجالسة فاعله والقيام عنه حتى ينتهي ويصير إلى حال غيرها .
مطلب : ينبغي التباعد عن المنكر إذا لم يكن في ذلك ترك حق عليه
فإن قيل : فهل يلزم من كان بحضرته منكر أن يتباعد عنه وأن يصير بحيث لا يراه
ولا يسمعه ؟ قيل له : قد قيل في هذا أنه ينبغي له أن يفعل ذلك إذا لم يكن في تباعده
وترك سماعه ترك الحق عليه ، من نحو ترك الصلاة في الجماعة لأجل ما يسمع من صوت
الغناء والملاهي ، وترك حضور الجنازة لما معها من النوح ، وترك حضور الوليمة لما
هناك من اللهو واللعب ، فإذا لم يكن هناك شئ من ذلك فالتباعد عنهم أولى ، وإذا كان
هناك حق يقوم به ولم يلتفت إلى ما هناك من المنكر وقام بما هو مندوب إليه من حق بعد
إظهاره لإنكاره وكراهته . وقال قائلون : إنما نهى الله عن مجالسة هؤلاء المنافقين ومن
يظهر الكفر والاستهزاء بآيات الله ، لأن في مجالستهم تأنيسا لهم ومشاركتهم فيما يجري
في مجلسهم . وقد قال أبو حنيفة في رجل يكون في الوليمة فيحضر هناك اللهو واللعب :
إنه لا ينبغي له أن يخرج ، وقال : لقد ابتليت به مرة . وروي عن الحسن أنه حضر هو وابن
سيرين جنازة وهناك نوح ، فانصرف ابن سيرين ، فذكر ذلك للحسن فقال : إنا كنا متى
رأينا باطلا وتركنا حقا أسرع ذلك في ديننا لم نرجع . وإنما لم ينصرف لأن شهود الجنازة
حق قد ندب إليه وأمر به فلا يتركه لأجل معصية غيره ، وكذلك حضور الوليمة قد ندب
إليها النبي صلى الله عليه وسلم ، فلم يجز أن يترك لأجل المنكر الذي يفعله غيره إذا كان كارها له . وقد
حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا أحمد بن عبد الله الغداني قال :
حدثنا الوليد بن مسلم قال : حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى عن نافع
قال : سمع ابن عمر مزمارا فوضع أصبعيه في أذنيه ونأى عن الطريق وقال لي : يا نافع هل
تسمع شيئا ؟ فقلت : لا ، فرفع أصبعيه من أذنيه وقال : " كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فسمع مثل هذا
فصنع مثل هذا " . وهذا هو اختيار لئلا تساكنه نفسه ولا تعتاد سماعه فيهون عنده أمره ،
فأما أن يكون واجبا فلا .
قوله تعالى : ( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ) ، روي عن علي وابن
عباس قالا : " سبيلا في الآخرة " . وعن السدي : " ولن يجعل الله لهم عليهم حجة ، يعني
فيما فعلوا بهم من قتلهم وإخراجهم من ديارهم فهم في ذلك ظالمون لا حجة لهم فيه " .
ويحتج بظاهره في وقوع الفرقة بين الزوجين بردة الزوج ، لأن عقد النكاح يثبت عليها
للزوج سبيلا في إمساكها في بيته وتأديبها ومنعها من الخروج ، وعليها طاعته فيما يقتضيه
عقد النكاح كما قال تعالى : ( الرجال قوامون على النساء ) [ النساء : 34 ] ، فاقتضى قوله
أحكام القرآن — صفحة 363
مساهمون: الجصاص
ص٣٦٣