لاحتمال اللفظ لهما ، فيفيد ذلك الأمر بالتسوية بين الخصوم في المجلس والنظر والكلام
وترك إسرار أحدهما والخلوة به ، كما روي عن علي كرم الله وجهه قال : " نهانا
رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نضيف أحد الخصمين دون الآخر " .
وقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله ) قيل فيه : يا أيها الذين آمنوا
بمن قبل محمد من الأنبياء آمنوا بالله وبمحمد وما أتى به من عند الله ، لأنهم من حيث
آمنوا بالمتقدمين من الأنبياء لما كان معهم من الآيات فقد ألزمهم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم لهذه
العلة بعينها . ومن جهة أخرى أن في كتب الأنبياء المتقدمين البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم ، فمن
حيث آمنوا بهم وصدقوا بما أخبروا به عن الله تعالى ، وقد أخبروهم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ،
فعليهم الإيمان به وهم محجوجون بذلك . وقيل : إنه خطاب للمؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم وأمر
لهم بالمداومة على الإيمان والثبات عليه ، والله أعلم .
باب استتابة المرتد
قال الله تعالى : ( إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا ) قال
قتادة : " يعني به أهل الكتابين من اليهود والنصارى ، آمن اليهود بالتوراة ثم كفروا
بمخالفتها وكذلك آمنوا بموسى عليه السلام ثم كفروا بمخالفته ، وآمن النصارى بالإنجيل
ثم كفروا بمخالفته وكذلك آمنوا بعيسى عليه السلام ثم كفروا بمخالفته ، ثم ازدادوا كفرا
بمخالفة الفرقان ومحمد صلى الله عليه وسلم " . وقال مجاهد : " هي في المنافقين ، آمنوا ثم ارتدوا ثم
آمنوا ثم ارتدوا ثم ماتوا على كفرهم " . وقال آخرون : " هم طائفة من أهل الكتاب قصدت
تشكيك أهل الاسلام ، وكانوا يظهرون الإيمان به والكفر به ، وقد بين الله أمرهم في قوله :
( وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا
آخره لعلهم يرجعون ) [ آل عمران : 72 ] " .
مطلب : في الخلاف في قبول توبة الزنديق
قال أبو بكر : هذا يدل على أن المرتد متى تاب تقبل توبته وأن توبة الزنديق
مقبولة ، إذ لم تفرق بين الزنديق وغيره من الكفار وقبول توبته بعد الكفر مرة بعد أخرى
والحكم بإيمانه متى أظهر الإيمان . واختلف الفقهاء في استتابة المرتد والزنديق ، فقال أبو
حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر : " في الأصل لا يقتل المرتد حتى يستتاب ، ومن قتل
مرتدا قبل أن يستتاب فلا ضمان عليه " . وذكر بشر بن الوليد عن أبي يوسف في الزنديق
الذي يظهر الاسلام قال أبو حنيفة : " أستتيبه كالمرتد ، فإن أسلم خليت سبيله وإن أبى
قتلته " ، وقال أبو يوسف كذلك زمانا ، فلما رأى ما يصنع الزنادقة ويعودون قال : " أرى
أحكام القرآن — صفحة 358
مساهمون: الجصاص
ص٣٥٨