الحق لاستخراج حقه منه وايصاله إليه ، وهو مثل قوله تعالى : ( ولا تكتموا الشهادة ومن
يكتمها فإنه آثم قلبه ) [ البقرة : 283 ] ، وتضمن أيضا الأمر بالاعتراف والإقرار لصاحب
الحق بحقه ، بقوله تعالى : ( ولو على أنفسكم ) ، لأن شهادته على نفسه هو إقراره بما
عليه لخصمه ، فدل ذلك على جواز إقرار المقر على نفسه لغيره وأنه واجب عليه أن يقر
إذا طالبه صاحب الحق .
وقوله تعالى : ( أو الوالدين والأقربين ) فيه أمر بإقامة الشهادة على الوالدين
والأقربين . ودل على جواز شهادة الانسان على والديه وعلى سائر أقربائه لأنهم
والأجنبيين في هذا الموضع بمنزلة ، وإن كان الوالدان إذا شهد عليهما أولادهما ربما
أوجب ذلك حبسهما ، وأن ذلك ليس بعقوق ولا يجب أن يمتنع من الشهادة عليهما
لكراهتهما لذلك ، لأن ذلك منع لهما من الظلم وهو نصرة لهما كما قال صلى الله عليه وسلم : " أنصر أخاك
ظالما أو مظلوما " فقيل يا رسول الله هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما ؟ قال : " ترده
عن الظلم فذلك نصر منك إياه " ، وهو مثل قوله صلى الله عليه وسلم : " لا طاعة لمخلوق في معصية
الخالق " . وهذا يدل على أنه إنما تجب عليه طاعة الأبوين فيما يحل ويجوز ، وأنه لا
يجوز له أن يطيعهما في معصية الله تعالى لأن الله قد أمره بإقامة الشهادة عليهما مع
كراهتهما لذلك .
وقوله تعالى : ( إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما ) أمر لنا بأن لا ننظر إلى فقر
المشهود عليه بذلك إشفاقا منا عليه ، فإن الله أولى بحسن النظر لكل أحد من الأغنياء
والفقراء وأعلم بمصالح الجميع ، فعليكم إقامة الشهادة عليهم بما عندكم .
وقوله تعالى : ( فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا ) يعني لا تتركوا العدل اتباعا للهوى
والميل إلى الأقرباء ، وهو نظير قوله تعالى : ( إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين
الناس بالحق ولا تتبع الهوى ) [ ص : 26 ] ، وفي ذلك دليل على أن على الشاهد إقامة
الشهادة على الذي عليه الحق وإن كان عالما بفقره ، وأنه لا يجوز له الامتناع من إقامتها
خوفا من أن يحبسه القاضي لفقد علمه بعدمه .
وقوله تعالى : ( وإن تلووا أو تعرضوا ) فإنه يحتمل ما روي عن ابن عباس : " أنه في
القاضي يتقدم إليه الخصمان فيكون ليه وإعراضه على أحدهما " . واللي هو الدفع ، ومنه
قوله صلى الله عليه وسلم : " لي الواجد يحل عرضه وعقوبته " ، يعني مطله ودفع الطالب عن حقه . فإذا
أريد به القاضي كان معناه دفعه الخصم عما يجب له من العدل والتسوية ، ويحتمل أن
يريد به الشاهد في أنه مأمور بإقامة الشهادة وأن لا يدفع صاحب الحق عنها ويمطله بها
ويعرض عنه إذا طالبه بإقامتها ، وليس يمتنع أن يكون أمرا للحاكم والشاهد جميعا
أحكام القرآن — صفحة 357
مساهمون: الجصاص
ص٣٥٧