ولم يطعم ولم يسق حتى يخرج ، لقوله صلى الله عليه وسلم : " لا يسكنها سافك دم " . وحدثنا عبد الباقي
قال : حدثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار قال : حدثنا داود بن عمرو قال : حدثنا
محمد بن مسلم عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس عن ابن عباس قال : " إذا دخل القاتل
الحرم لم يجالس ولم يبايع ولم يؤو واتبعه طالبه يقول له : اتق الله في دم فلان واخرج من
الحرم " .
ونظير قوله تعالى : ( ومن دخله كان آمنا ) قوله عز وجل : ( أو لم يروا أنا جعلنا
حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم ) [ العنكبوت : 67 ] ، وقوله : ( أو لم نمكن لهم
حرما آمنا [ القصص : 57 ] ، وقوله : ( وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وآمنا ) [ البقرة :
125 ] ، فهذه الآي متقاربة المعاني في الدلالة على حظر قتل من لجأ إليه وإن كان
مستحقا للقتل قبل دخوله . ولما عبر تارة بذكر البيت وتارة بذكر الحرم دل على أن الحرم
في حكم البيت في باب الأمن ومنع قتل من لجأ إليه . ولما لم يختلفوا أنه لا يقتل من
لجأ إلى البيت لأن الله تعالى وصفه بالأمن فيه ، وجب مثله في الحرم فيمن لجأ إليه .
فإن قيل : من قتل في البيت لم يقتل فيه ومن قتل في الحرم قتل فيه ، فليس الحرم
كالبيت . قيل له : لما جعل الله حكم الحرم حكم البيت فيما عظم من حرمته ، وعبر تارة
بذكر البيت وتارة بذكر الحرم ، اقتضى ذلك التسوية بينهما إلا فيما قام دليل تخصيصه ،
وقد قامت الدلالة في حظر القتل في البيت فخصصناه ، وبقي حكم الحرم على ما اقتضاه
ظاهر القرآن من إيجاب التسوية بينهما ، والله تعالى أعلم .
باب فرض الحج
قال الله تعالى : ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) قال أبو بكر :
هذا ظاهر في إيجاب فرض الحج على شريطة وجود السبيل إليه . والذي يقتضيه من
حكم السبيل أن كل من أمكنه الوصول إلى الحج لزمه ذلك ، إذ كانت استطاعة السبيل
إليه هي إمكان الوصول إليه ، كقوله تعالى : ( فهل إلى خروج من سبيل ) [ غافر : 11 ]
يعني : من وصول ، و ( هل إلى مرد من سبيل ) [ الشورى : 44 ] يعني : من وصول . وقد
جعل النبي صلى الله عليه وسلم من شرط استطاعة السبيل إليه وجود الزاد والراحلة . وروى أبو إسحاق
عن الحارث عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من ملك زادا وراحلة يبلغه بيت الله ولم
يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا ، وذلك أن الله تعالى يقول في كتابه : ( ولله
على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) . وروى إبراهيم بن يزيد الخوزي عن
محمد بن عباد عن ابن عمر قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله عز وجل : ولله على
أحكام القرآن — صفحة 30
مساهمون: الجصاص
ص٣٠