الآي الموجبة للقصاص مرتب على ما ذكرنا من الأمن بدخول الحرم ، ويكون ذلك
مخصوصا من آي القصاص ، وأيضا فإن قوله تعالى : ( كتب عليكم القصاص ) [ البقرة :
178 ] وارد في إيجاب القصاص لا في حكم الحرم ، وقوله : ( ومن دخله كان آمنا ) وارد
في حكم الحرم ووقوع الأمن لمن لجأ إليه ، فيجري كل واحد منهما على بابه ويستعمل
فيما ورد فيه ولا يعترض بآي القصاص على حكم الحرم . ومن جهة أخرى أن إيجاب
القصاص لا محالة متقدم لإيجاب أمانه بالحرم ، لأنه لو لم يكن القصاص واجبا قبل ذلك
استحال أن يقال هو آمن مما لم يجن ولم يستحق عليه ، فدل ذلك على أن الحكم بأمنه
بدخول الحرم متأخر عن إيجاب القصاص . ومن جهة الأثر حديث ابن عباس وأبي شريح
الكعبي ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله حرم مكة ولم تحل لأحد قبلي ولا أحد بعدي وإنما
أحلت لي ساعة من نهار " ، فظاهر ذلك يقتضي حظر قتل اللاجئ إليه والجاني فيه ، إلا
أن الجاني فيه لا خلاف فيه أنه يؤخذ بجنايته ، فبقي حكم اللفظ في الجاني إذا لجأ إليه .
وروى حماد بن سلمة عن حبيب المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن أعتى الناس على الله عز وجل رجل قتل غير قاتله أو قتل في الحرم
أو قتل بذحل الجاهلية " ، وهذا أيضا يحظر عمومه قتل كل من كان فيه ، فلا يخص منه
شئ إلا بدلالة .
وأما ما دون النفس فإنه يؤخذ به ، لأنه لو كان عليه دين فلجأ إلى الحرم حبس به
لقوله صلى الله عليه وسلم : " لي الواجد يحل عرضه وعقوبته " ، والحبس في الدين عقوبة ، فجعل الحبس
عقوبة وهو فيما دون النفس ، فكل حق وجب فيما دون النفس أخذ به وإن لجأ إلى الحرم
قياسا على الحبس في الدين . وأيضا لا خلاف بين الفقهاء أنه مأخوذ بما أيجب عليه فيما
دون النفس ، وكذلك لا خلاف أن الجاني في الحرم مأخوذ بجنايته في النفس وما دونها ،
ولا خلاف أيضا أنه إذا جنى في غير الحرم ثم دخل الحرم أنه إذا لم يجب قتله في الحرم
أنه لا يبايع ولا يشارى ولا يؤوى حتى يخرج ، ولما ثبت عندنا أنه لا يقتل وجب استعمال
الحكم الآخر فيه في ترك مشاراته ومبايعته وإيوائه . فهذه الوجوه كلها لا خلاف فيها ،
وإنما الخلاف فيمن جنى في غير الحرم ثم لجأ إلى الحرم ، وقد دللنا عليه ، وما عدا ذلك
فهو محمول على ما حصل عليه الاتفاق .
وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا محمد بن عبدوس بن كامل قال : حدثنا
يعقوب بن حميد قال : حدثنا عبد الله بن الوليد عن سفيان الثوري عن محمد بن المنكدر
عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يسكن مكة سافك دم ولا آكل ربا ولا مشاء
بنميمة " ، وهذا يدل على أن القاتل إذا دخل الحرم لم يؤو ولم يجالس ولم يبايع ولم يشار
أحكام القرآن — صفحة 29
مساهمون: الجصاص
ص٢٩