التغليظ ، وكذلك دية الخطأ ينبغي أن تعتبر فيها قيمة الإبل على أسنان الخطأ وأن لا تعتبر
الدراهم والدنانير في الديات مقدرا محدودا ، فلا يقال إن الدية من الدراهم عشرة آلاف
ولا اثنا عشر ألفا ولا من الذهب ألف دينار ، بل ينظر في سائر الأزمان إلى قيمة الإبل فإن
كانت ستة آلاف أوجب ذلك من الدراهم بغير زيادة ، وإن كان خمسة عشر ألفا أوجب
ذلك ، وكذلك قيمتها من الدنانير . فلما قال السلف في الدية أحد قولين إما عشرة آلاف
وإما اثنا عشر ألفا وقالوا إنها من الدنانير ألف دينار ، حصل الاتفاق من الجميع على أن
الزيادة على هذه المقادير والنقصان منها غير سائغ ، وفي ذلك دليل على أن الدراهم
والدنانير هي ديات بأنفسها لا بدلا من غيرها ، وإذا كان كذلك لم يجز التغليظ فيها من
وجهين ، أحدهما : أن إثبات التغليظ طريقه التوقيف أو الاتفاق ، ولا توقيف في إثبات
التغليظ في الدراهم والدنانير ولا اتفاق . والثاني : أن التغليظ في الإبل إنما هو من جهة
الأسنان لا من جهة زيادة العدد ، وفي إثبات التغليظ من جهة زيادة الوزن في الورق
والذهب خروج عن الأصول . ووجه آخر يدل على أن الدراهم والدنانير ليست على وجه
القيمة عن الإبل ، وهو أنه معلوم أن القاضي يقضي على العاقلة إذا كانت من أهل الورق
بالورق ، وإذا كانت من أهل الذهب بالدنانير ، فلو كانت الإبل هي الواجبة والدراهم
والدنانير بدل منها لما جاز أن يقضي القاضي فيها بالدراهم والدنانير على أن تؤديها في
ثلاث سنين ، لأنه دين بدين ، فلما جاز ذلك دل على أنها ديات بأنفسها ليست أبدا لا عن
غيرها . ويدل على أن التغليظ غير جائز في الدراهم والدنانير أن عمر رضي الله عنه جعل
الدية من الذهب ألف دينار ومن الورق ما اختلف عنه فيه ، فروى عنه أهل المدينة : " اثنا
عشر ألفا " وروى عنه أهل العراق " عشرة آلاف " ولم يفرق في ذلك بين دية شبه العمد
والخطأ ، وذلك بمحضر من الصحابة من غير خلاف من أحد منهم عليه ، فدل على أن
اعتبار التغليظ فيها ساقط ، ويدل عليه أيضا أن الصحابة قد اختلفت في كيفية التغليظ في
أسنان الإبل لما كان التغليظ فيها واجبا ، ولو كان التغليظ في الورق والذهب واجبا
لاختلفوا فيه حسب اختلافهم في الإبل ، فلما لم يذكر عنهم خلاف في ذلك وإنما روي
عنهم في الذهب ألف دينار وفي الدراهم عشرة آلاف أو اثنا عشر ألفا من غير زيادة ولا
نقصان ، ثبت بإجماعهم على ذلك نفي التغليظ في غير الإبل .
فإن قيل على ما ذكرنا من الأصول لو كان من الإبل لكان قضاء القاضي عليهم
بالدية من الدراهم يوجب أن يكون دينا بدين : إن هذا كما يقولون فيمن تزوج امرأة على
عبد وسط " إنه إن جاء بالقيمة دراهم قبلت منه " ولم يكن ذلك بيع دين بدين . قيل له :
القاضي عندنا لا يقضي عليه بالدراهم إذا تزوجها على عبد ولكنه يقول له : " إن شئت
أحكام القرآن — صفحة 295
مساهمون: الجصاص
ص٢٩٥