تعالى : ( لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة ) [ آل عمران : 130 ] لا يدل على إباحته إذا لم
يكن أضعافا مضاعفة ، وقوله تعالى : ( ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به )
[ المؤمنون : 117 ] ليس بدلالة على أن أحدنا يجوز أن يقوم له برهان على صحة القول
بأن مع الله إلها آخر ، تعالى الله عن ذلك ، وقد بينا ذلك في أصول الفقه . فإذا ليس في
قوله تعالى : ( ومن لم يستطع منكم طولا ) الآية ، إلا إباحة نكاح الإماء لمن كانت هذه
حاله ، ولا دلالة فيه على حكم من وجد طولا إلى الحرة لا بحظر ولا إباحة .
وقد اختلف السلف في معنى الطول ، فروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير
ومجاهد وقتادة والسدي أنهم قالوا : " هو الغنى " . وروي عن عطاء وجابر بن زيد وإبراهيم
قالوا : " إذا هوى الأمة فله أن يتزوجها وإن كان موسرا إذا خاف أن يزني بها " . فكان معنى
الطول عند هؤلاء في هذا الموضع أن لا ينصرف قلبه عنها بنكاح الحرة لميله إليها ومحبته
لها ، فأباحوا له في هذه الحال نكاحها . والطول يحتمل الغنى والقدرة ويحتمل الفضل ،
قال الله تعالى : ( شديد العقاب ذي الطول ) [ غافر : 3 ] ، قيل فيه : ذو الفضل ، وقيل : ذو
القدرة ، والفضل والغنى يتقاربان في المعنى ، فاحتمل الطول المذكور في الآية الغنى
والقدرة ، واحتمل الفضل والسعة . فإذا كان معناه الغنى واحتمل وجهين : أحدهما حصول
الغنى له بكون الحرة تحته ، والثاني : غنى المال وقدرته على تزوج حرة . وإذا كان معناه
الفضل احتمل إرادة الغنى ، لأن الفضل يوجب ذلك ، والثاني : اتساع قلبه لتزوج الحرة
والانصراف عن الأمة ، وأنه إن لم يتسع قلبه لذلك وخشي الإقدام من نفسه على محظور
جاز له أن يتزوجها وإن كان موسرا على ما روي عن عطاء وجابر بن زيد وإبراهيم ، هذه
الوجوه كلها تحتملها الآية .
وقد اختلف السلف في ذلك ، فروي عن ابن عباس وجابر وسعيد بن جبير والشعبي
ومكحول : " لا يتزوج الأمة إلا أن لا يجد طولا إلى الحرة " . وروي عن مسروق والشعبي
قالا : " نكاح الأمة بمنزلة الميتة والدم ولحم الخنزير لا يحل إلا لمضطر " . وروي عن
علي وأبي جعفر ومجاهد وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب رواية وإبراهيم والحسن
رواية والزهري قالوا : " ينكح الأمة وإن كان موسرا " . وعن عطاء وجابر بن زيد : " أنه إن
خشي أن يزني بها تزوجها " . وروي عن عطاء : " أنه يتزوج الأمة على الحرة " . وعن
عبد الله بن مسعود قال : " لا يتزوج الأمة على الحرة إلا المملوك " . وقال عمر وعلي
وسعيد بن المسيب ومكحول في آخرين : " لا يتزوج الأمة على الحرة " . وقال إبراهيم .
" يتزوج الأمة على الحرة إذا كان له منها ولد " وقال : " إذا تزوج أمة وحرة في عقد واحد
بطل نكاحهما جميعا " . وقال ابن عباس ومسروق : " إذا تزوج حرة فهو طلاق الأمة " .
أحكام القرآن — صفحة 198
مساهمون: الجصاص
ص١٩٨