الإحصان المذكور هو ضد الزنا وهو العفة ، وإذا كان المراد بالإحصان في هذا الموضع
العفاف فقد حصل على وجه لا يكون مجملا ، لأن تقديره : وأحل لكم ما وراء ذلكم أن
تبتغوا بأموالكم عفة غير زنا ، وهذا لفظ ظاهر المعنى بين المراد ، فيوجب ذلك معنيين ،
أحدهما : إطلاق لفظ الإباحة وكونه عموما ، والآخر : الإخبار بأنهم إذا فعلوا ذلك كانوا
محصنين غير مسافحين ، والإحصان لفظ مشترك متى أطلق لم يكن عموما كسائر الألفاظ
المشتركة ، وذلك لأنه اسم يقع على معان مختلفة وأصله المنع ومنه سمي الحصن لمنعه
من صار فيه من أعدائه ، ومنه الدرع الحصينة أي المنيعة ، والحصان بالكسر الفحل من
الأفراس لمنعه راكبه من الهلاك ، والحصان بالنصب العفيفة من النساء لمنعها فرجها من
الفساد ، قال حسان في عائشة رضي الله عنهما :
حصان رزان ما تزن بريبة * وتصبح غرثي من لحوم الغوافل
وقال الله تعالى : ( إن الذين يرمون المحصنات الغافلات ) [ النور : 23 ] يعني
العفائف . والإحصان في الشرع اسم يقع على معان مختلفة غير ما كان الاسم لها في
اللغة ، فمنها الاسلام ، قال الله تعالى : ( فإذا أحصن ) ، روى : فإذا أسلمن ، ويقع على
التزويج ، لأنه قد روي في التفسير أيضا أن معناه : فإذا تزوجن . وقال تعالى :
( والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ) ومعناه : ذوات الأزواج . ويقع على
العفة في قوله تعالى : ( إن الذين يرمون المحصنات ) [ النور : 23 ] . ويقع على الوطء
بنكاح صحيح في إحصان الرجم . والإحصان في الشرع يتعلق به حكمان ، أحدهما : في
إيجاب الحد على قاذفه في قوله تعالى : ( والذين يرمون المحصنات ) [ النور : 4 ] فهذا
يعتبر فيه العفاف والحرية والإسلام والعقل والبلوغ ، فما لم يكن على هذه الصفة لم
يجب على قاذفه الحد ، لأنه لا حد على قاذف المجنون والصبي الزاني والكافر والعبد ،
فهذه الوجوه من الإحصان معتبرة في إيجاب الحد على القاذف . والحكم الآخر هو
الإحصان الذي يتعلق به إيجاب الرجم إذا زنا ، وهذا الإحصان يشتمل على الاسلام
والعقل والبلوغ والحرية والنكاح الصحيح مع الدخول بها وهما على هذه الصفة ، فإن
عدم شئ من هذه الخلال لم يكن عليه الرجم إذا زنا . والسفاح هو الزنا ، قال النبي صلى الله عليه وسلم :
" أنا من نكاح ولست من سفاح " . وقال مجاهد والسدي في قوله تعالى : ( غير مسافحين )
قالا : " غير زانين " . ويقال إن أصله من سفح الماء وهو صبه ، ويقال : سفح دمعه وسفح
دم فلان وسفح الجبل أسفله ، لأنه موضع مصب الماء ، وسافح الرجل إذا زنا ، لأنه صب
ماءه من غير أن يلحقه حكم مائه في ثبوت النسب ووجوب العدة وسائر أحكام النكاح ،
فسمي مسافحا لأنه لم يكن له من فعله هذا غير صب الماء ، وقد أفاد ذلك نفي نسب
أحكام القرآن — صفحة 183
مساهمون: الجصاص
ص١٨٣