قاله أبو بكر : وقد ذكرنا في سورة البقرة الكلام في مدة الرضاع والاختلاف فيها ،
وقد قدمنا ذكر دلالة الآية على إيجاب التحريم بقليل الرضاع ، وغير جائز لأحد إثبات
تحديد الرضاع الموجب للتحريم إلا بما يوجب العلم من كتاب أو سنة منقولة من طريق
التواتر ، ولا يجوز قبول أخبار الآحاد عندنا في تخصيص حكم الآية الموجبة للتحريم
بقليل الرضاع لأنها آية محكمة ظاهرة المعنى بينة المراد لم يثبت خصوصها بالاتفاق ، وما
كان هذا وصفه فغير جائز تخصيصه بخبر الواحد ولا بالقياس . ويدل عليه من جهة السنة
قول النبي صلى الله عليه وسلم : " إنما الرضاعة من المجاعة " ، رواه مسروق عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم
يفرق بين القليل والكثير ، فهو محمول عليهما جميعا . ويدل عليه أيضا ما روي عن
النبي صلى الله عليه وسلم من جهة التواتر والاستفاضة أنه قال : " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " ،
رواه علي وابن عباس وعائشة وحفصة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وتلقاه أهل العلم بالقبول
والاستعمال ، فلما حرم النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاع ما يحرم من النسب وكان معلوما أن النسب
متى ثبت من وجه أوجب التحريم وإن لم يثبت من وجه آخر ، كذلك الرضاع يجب أن
يكون هذا حكمه في إيجاب التحريم بالرضعة الواحدة لتسوية النبي صلى الله عليه وسلم بينهما فيما علق
بهما حكم التحريم .
واحتج من اعتبر خمس رضعات بما روت عائشة وابن الزبير وأم الفضل أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تحرم المصة ولا المصتان " ، وبما روي عن عائشة أنها قالت : " كان
فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات ، فنسخن بخمس معلومات ، فتوفي
رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي فيما يقرأ من القرآن " .
قال أبو بكر : وهذه الأخبار لا يجوز الاعتراض بها على ظاهر قوله تعالى :
( وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة ) لما بينا أن ما لم يثبت خصوصه من
ظواهر القرآن وكان ظاهر المعنى بين المراد لم يجز تخصيصه بأخبار الآحاد ، فهذا أحد
الوجوه التي تسقط الاعتراض بهذا الخبر . ووجه آخر وهو ما حدث أبو الحسن الكرخي
قال : حدثنا الحضرمي قال : حدثنا عبد الله بن سعيد قال : حدثنا أبو خالد عن حجاج عن
حبيب بن أبي ثابت عن طاوس عن ابن عباس أنه سئل عن الرضاع فقلت : إن الناس
يقولون لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان ! قال : " قد كان ذاك ، فأما اليوم فالرضعة الواحدة
تحرم " . وروى محمد بن شجاع قال : حدثنا إسحاق بن سليمان عن حنظلة عن طاوس
قال : " اشترطت عشر رضعات ثم قيل الرضعة الواحدة تحرم " . فقد عرف ابن عباس
وطاوس خبر العدد في الرضاع وأنه منسوخ بالتحريم بالرضعة الواحدة . وجائز أن يكون
التحديد كان مشروطا في رضاع الكبير ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في رضاع الكبير وهو
أحكام القرآن — صفحة 157
مساهمون: الجصاص
ص١٥٧