منهن ، وعقل من قوله تعالى : ( وعماتكم ) تحريم عمات الأب والأم . وكذلك قوله
تعالى : ( وخالاتكم ) عقل منه تحريم خالات الأم والأب كما عقل تحريم أمهات الأب
وإن علون . وخص تعالى العمات والخالات بالتحريم دون أولادهن ، ولا خلاف في
جواز نكاح بنت العمة وبنت الخالة ، وقال تعالى : ( وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم
من الرضاعة ) ومعلوم أن هذه السمة إنما هي مستحقة بالرضاع ، أعني سمة الأمومة
والأخوة ، فلما علق هذه السمة بفعل الرضاع اقتضى ذلك استحقاق اسم الأمومة والأخوة
بوجود الرضاع ، وذلك يقتضي التحريم بقليل الرضاع لوقوع الاسم عليه .
فإن قيل : قوله تعالى : ( وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ) بمنزلة قول القائل : وأمهاتكم
اللاتي أعطينكم وأمهاتكم اللاتي كسونكم ، فنحتاج إلى أن نثبت أنها أم بهذه الصفة حتى
يثبت الرضاع ، لأنه لم يقل : واللاتي أرضعنكم أمهاتكم . قيل له : هذا غلط من قبل أن
الرضاع هو الذي يكسبها سمة الأمومة ، فلما كان الاسم مستحقا بوجود الرضاع كان
الحكم متعلقا به ، واسم الرضاع في الشرع واللغة يتناول القليل والكثير ، فوجب أن تصير
أما بوجود الرضاع لقوله تعالى : ( وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ) ، وليس كذلك الذي
ذكرت من قول القائل وأمهاتكم اللاتي كسونكم ، لأن اسم الأمومة غير متعلق بوجود
الكسوة كتعلقه بوجود الرضاع ، فلذلك احتجنا إلى حصول الاسم والفعل المتعلق به ،
وكذلك قوله تعالى : ( وأخواتكم من الرضاعة ) يقتضي ظاهره كونها أختا بوجود
الرضاع ، إذا كان اسم الأخوة مستفادا بوجود الرضاع لا بمعنى آخر سواه . ويدل على أن
ذلك مفهوم الخطاب ومقتضى القول ، ما رواه عبد الوهاب بن عطاء عن أبي الربيع عن
عمرو بن دينار قال : جاء رجل إلى ابن عمر فقال : إن ابن الزبير يقول : لا بأس بالرضعة
والرضعتين ، فقال ابن عمر : " قضاء الله خير من قضاء ابن الزبير ، قال الله تعالى : (
من الرضاعة فعقل ابن عمر من ظاهر اللفظ التحريم بقليل الرضاع
مطلب : اختلف السلف في التحريم بقليل الرضاع
واختلف السلف ومن بعدهم في التحريم بقليل الرضاع ، فروى عن عمر وعلي
وابن عباس وابن عمر والحسن وسعيد بن المسيب وطاوس وإبراهيم والزهري والشعبي :
" قليل الرضاع وكثيره يحرم في الحولين " ، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر
ومالك والثوري والأوزاعي والليث ، قال الليث : " اجتمع المسلمون على أن قليل الرضاع
وكثيره يحرم في المهد ما يفطر الصائم " . وقال ابن الزبير والمغيرة بن شعبة وزيد بن
ثابت : " لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان " . وقال الشافعي : " لا يحرم من الرضاع إلا خمس
رضعات متفرقات " .
أحكام القرآن — صفحة 156
مساهمون: الجصاص
ص١٥٦