فيكون الوطء المحرم فيها بمنزلة الوطء الحلال في إيجاب التحريم ، فلما لم يصح وجود
ذلك في الرجل على الوجه المباح ولا يجوز أن يملك ذلك بالعقد منه لم يتعلق به حكم
التحريم ، ألا ترى أنه لو لمس الرجل بشهوة لا يتعلق به حكم في إيجاب تحريم الأم
والبنت ؟ واللمس بمنزلة الوطء في المرأة عند الجميع فيما يتعلق به حكم التحريم ، فلما
اتفق الجميع على أن اللمس لا حكم له في الرجل في حكم تحريم الأم والبنت كان كذلك
ما سواه من الوطء ، وفي ذلك الدلالة من وجهين على صحة ما ذكرنا ، أحدهما : أن
لمس الرجل للرجل لشهوة لما لم يكن مما يصح أن يملك بعقد النكاح ولم يتعلق به
تحريم كان كذلك حكم الوطء ، إذ لا يصح أن يملك بعقد النكاح . والثاني : أن اللمس
عند الجميع في المرأة حكمه حكم الوطء ، ألا ترى أن الجميع متفقون على أن لمس
المرأة الزوجة يحرم بنتها كما يحرمها الوطء ؟ وكذلك لمس الجارية بملك اليمين يوجب
من التحريم ما يوجبه الوطء ، وكذلك من حرم بوطء الزنا حرم باللمس ، فلما لم يكن
لمس الرجل موجبا للتحريم وجب أن يكون كذلك حكم وطئه لاستوائهما في المرأة .
قال أبو بكر : واتفق أصحابنا والثوري ومالك والأوزاعي والليث والشافعي أن
اللمس لشهوة بمنزلة الجماع في تحريم أم المرأة وبنتها ، فكل من حرم بالوطء الحرام
أوجبه باللمس إذا كان لشهوة ، ومن لو يوجبه بالوطء الحرام لم يوجبه باللمس لشهوة ،
ولا خلاف أن اللمس المباح في الزوجة وملك اليمين يوجب تحريم الأم والبنت إلا شيئا
يحكى عن ابن شبرمة أنه قال : " لا تحرم باللمس وإنما تحرم بالوطء الذي يوجب مثله
الحد " ، وهو قول شاذ قد سبقه الاجماع بخلافه .
واختلف الفقهاء في النظر هل يحرم أم لا ، فقال أصحابنا جميعا : " إذا نظر إلى
فرجها لشهوة كان ذلك بمنزلة اللمس في إيجاب التحريم ، ولا يحرم النظر للشهوة إلى
غير الفرج " . وقال الثوري : " إذا نظر إلى فرجها متعمدا حرمت عليه أمها وابنتها " ولم
يشترط أن يكون لشهوة . وقال مالك : " إذا نظر إلى شعر جاريته أو صدرها أو ساقها أو
شئ من محاسنها تلذذا حرمت عليه أمها وابنتها " . وقال ابن أبي ليلى والشافعي : " النظر
لا يحرم ما لم يلمس " .
قال أبو بكر : روى جرير بن عبد الحميد عن حجاج عن أبي هانئ قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من نظر إلى فرج امرأة حرمت عليه أمها وابنتها " . وروى حماد عن
إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال : " لا ينظر الله إلى رجل نطر إلى فرج امرأة وابنتها " .
وروى الأوزاعي عن مكحول : " أن عمر جرد جارية له ، فسأله إياها بعض ولده ، فقال :
إنها لا تحل لك " . وروى حجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : " أنه جرد جارية
أحكام القرآن — صفحة 152
مساهمون: الجصاص
ص١٥٢