فقال : ما بين لنا أحد بيانك لنا ، ولو علم صاحبنا به لظننت أنه لا يقيم على قوله ولكن
غفل وضعف عن كلامه ، قال : فرجع عن قولهم وقال الحق عندي في قولكم ولم يصنع
صاحبنا شيئا " . ولا ندري من كان هذا السائل ولا من صاحبهم الذي قال لو علم صاحبنا
بهذه الفروق لظن أنه لا يقيم على قوله ، وقد بان عمى قلب هذا السائل بتسليمه للشافعي
جميع ما ادعاه من غير مطالبة له بوجه الدلالة على المسألة فيما ذكر ، وجائز أن يكون
رجلا عاميا لم يرتض بشئ من الفقه ، إلا أنه قد انتظم بذلك شيئين : أحدهما الجهل
والغباوة بما وقفنا عليه من مناظرته وتسليمه ما لا يجوز تسليمه ومطالبته للمسؤول
بالفروق التي لا توجب فرقا في معاني العلل والمقايسات ، ثم انتقاله بمثل ذلك إلى
مذهبه على ما زعم وتركه لقول أصحابه ، والآخر : قلة العقل ، وذلك أنه ظن أن صاحبه
لو سمع بمثل ذلك رجع عن قوله ، فقضى بالظن على غيره فيما لا يعلم حقيقته .
وسرور الشافعي بمناظرة مثله وانتقاله إلى مذهبه يدل على أنهما كانا متقاربين في
المناظرة ، وإلا فلو كان عنده في معنى المبتدئ والمغفل العامي لما أثبت مناظرته إياه في
كتابه ، ولو كلم بذلك المبتدؤون من أحداث أصحابنا لما خفى عليهم عوار هذا الحجاج
وضعف السائل والمسؤول فيه .
وقد ذكر الشافعي أنه قال لمناظره : " جعلت الفرقة إلى المرأة بتقبيلها ابن زوجها
والله لم يجعل الفرقة إليها ؟ قال : فقال : فأنت تزعم أنها تحرم على زوجها إذا ارتدت ؟
قال : قلت : وأقول إن رجعت وهي في العدة فهما على النكاح ، أفتزعم أنت في التي
تقبل ابن زوجها مثله ؟ قال : لا " . قال أبو بكر : فأنكر على خصمه وقوع التحريم من قبل
المرأة ، ثم قال هو بها وجعل إليها الرجعة كما جعل إليها التحريم . ثم قال الشافعي :
" فأقول إن مضت المدة فرجعت إلى الاسلام كان لزوجها أن ينكحها ، أفتزعم في التي
تقبل ابن زوجها مثله ؟ قال : والمرتدة تحرم على الناس كلهم حتى تسلم ، وتقبيل ابن
الزوج ليس كذلك " . قال أبو بكر : فناقض على أصله فيما أنكره على خصمه ، ثم أخذ في
ذكر الفروق على النحو الذي مضى من كلامه ، ولم أذكر ذلك لأن في مثله شبهة على من
ارتاض بشئ من النظر ولكن لأبين مقادير علوم مخالفي أصحابنا ومحلهم من النظر .
وأما ما حكى عن عثمان البتي في فرقه بين الزنا بأم المرأة بعد التزويج وقبله فلا
معنى له ، لأن ما يوجب تحريما مؤبدا لا يختلف في إيجابه ذلك بعد التزويج وقبله ،
والدليل عليه أن الرضاع لما كان موجبا للتحريم المؤبد لم يختلف حكمه في إيجابه ذلك
قبل التزويج وبعده ، وإنما قال أصحابنا : إن فعل ذلك بالرجل لا يحرم عليه أمه ولا بنته ،
من قبل أن هذه الحرمة إنما هي متعلقة بمن يصح عقد النكاح عليها ويجوز أن تملك به ،
أحكام القرآن — صفحة 151
مساهمون: الجصاص
ص١٥١