يضمن مؤنة اليتيم . وإذا قرئ بالتثقيل كان معناه أن الله تعالى كفله إياها وضمنه مؤنتها
وأمره بالقيام بها . والقراءتان صحيحتان ، بأن يكون الله تعالى كفله إياها فتكفل بها .
قوله تعالى : ( قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة ) الهبة تمليك الشئ من غير
ثمن ، ويقولون : قد تواهبوا الأمر بينهم . وسمى الله تعالى ذلك هبة على وجه المجاز ،
لأنه لم تكن هناك هبة على الحقيقة ، إذ لم يكن تمليك شئ . وقد كان الولد حرا لا يقع
فيه تمليك ، ولكنه لما أراد أن يخلص له الولد على ما أراد من عبادة الله تعالى ووراثته
النبوة والعلم أطلق عليه لفظ الهبة ، كما سمى الله تعالى بذل النفس للجهاد في الله شراء
بقوله : ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة [ التوبة : 111 ]
وهو تعالى مالك الجميع من الأنفس والأموال قبل أن يجاهدوا وبعده ، وسمى ذلك شراء
لما وعدهم عليه من الثواب الجزيل . وقد يقول القائل : هب لي جناية فلان ، ولا تمليك
فيه ، وإنما أراد اسقاط حكمها .
وقوله تعالى : ( وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين ) يدل على أن غير الله تعالى
يجوز أن يسمى بهذا الاسم ، لأن الله تعالى سمى يحيى سيدا والسيد هو الذي تجب
طاعته ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للأنصار حين أقبل سعد بن معاذ للحكم بينه وبين
بني قريظة : " قوموا إلى سيدكم " ، وقال صلى الله عليه وسلم للحسن : " إن ابني هذا سيد " وقال لبني
سلمة : " من سيدكم يا بني سلمة ؟ " قالوا : الحر بن قيس على بخل فيه ، قال : " وأي داء
أدوى من البخل ! ولكن سيدكم الجعد الأبيض عمرو بن الجموح " . فهذا كله يدل على أن
من تجب طاعته يجوز أن يسمى سيدا . وليس السيد هو المالك فحسب ، لأنه لو كان
كذلك لجاز أن يقال " سيد الدابة " و " سيد الثوب " كما يقال " سيد العبد " وقد روي أن
وفد بني عامر قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : أنت سيدنا وذو الطول علينا ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم :
" السيد هو الله تكلموا بكلامكم ولا يستهوينكم الشيطان " ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أفضل
السادة من بني آدم ، ولكنه رآهم متكلفين لهذا القول ، فأنكره عليهم ، كما قال : " إن
أبغضكم إلي الثرثارون المتشدقون المتفيقون " ، فكره لهم تكلف الكلام على وجه
التصنع . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا تقولوا للمنافق سيدا فإنه إن يك سيدا فقد
هلكتم " ، فنهى أن يسمى المنافق سيدا ، لأنه لا تجب طاعته .
فإن قيل : قال الله تعالى : ( ربنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا )
[ الأحزاب : 67 ] فسموهم سادات وهم ضلال . قيل له : لأنهم أنزلوهم منزلة من تجب
طاعته وإن لم يكن مستحقا لها ، فكانوا عندهم وفي اعتقادهم ساداتهم ، كما قال تعالى :
أحكام القرآن — صفحة 15
مساهمون: الجصاص
ص١٥