عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ) [ الممتحنة : 1 ] . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
قال : " أنا برئ من كل مسلم مع مشرك " ، فقيل : لم يا رسول الله ؟ فقال : " لا تراءى
ناراهما " . وقال : " أنا برئ من كل مسلم أقام بين أظهر المشركين " . فهذه الآي
والآثار دالة على أنه ينبغي أن يعامل الكفار بالغلظة والجفوة دون الملاطفة والملاينة ، ما
لم تكن حال يخاف فيها على تلف نفسه أو تلف بعض أعضائه أو ضررا كبيرا يلحقه في
نفسه فإنه إذا خاف ذلك جاز له إظهار الملاطفة والموالاة من غير صحة اعتقاد .
والولاء ينصرف على وجهين أحدهما : من يلي أمور من يرتضي فعله بالنصرة
والمعونة والحياطة وقد يسمى بذلك المعان المنصور قال الله تعالى : ( الله ولي الذين
آمنوا ) [ البقرة : 257 ] يعني أنه يتولى نصرهم ومعونتهم . والمؤمنون أولياء الله بمعنى
أنهم معانون بنصرة الله ، قال الله تعالى : ( ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم
يحزنون ) [ يونس : 62 ] .
مطلب : في بيان معنى التقية وحكمها
وقوله تعالى : ( إلا أن تتقوا منهم تقاة ) يعني أن تخافوا تلف النفس وبعض
الأعضاء فتتقوهم بإظهار الموالاة من غير اعتقاد لها . وهذا هو ظاهر ما يقتضيه اللفظ
وعليه الجمهور من أهل العلم ، وقد حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق المروزي قال :
حدثنا الحسن بن أبي الربيع الجرجاني قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر عن
قتادة في قوله تعالى : ( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ) قال : " لا
يحل لمؤمن أن يتخذ كافرا وليا في دينه " . وقوله تعالى : ( إلا أن تتقوا منهم تقاة ) : إلا
أن تكون بينه وبينه قرابة فيصله لذلك ، فجعل التقية صلة لقرابة الكافر . وقد اقتضت الآية
جواز إظهار الكفر عند التقية ، وهو نظير قوله تعالى : ( من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من
أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) [ النحل : 106 ] . وإعطاء التقية في مثل ذلك إنما هو رخصة
من الله تعالى وليس بواجب ، بل ترك التقية أفضل ، قال أصحابنا فيمن أكره على الكفر
فلم يفعل حتى قتل : إنه أفضل ممن أظهر . وقد أخذ المشركون خبيب بن عدي فلم يعط
التقية حتى قتل ، فكان عند المسلمين أفضل من عمار بن ياسر حين أعطى التقية وأظهر
أحكام القرآن — صفحة 12
مساهمون: الجصاص
ص١٢