ذلك . وروي عن مجاهد في بعض الروايات : ( أو يجعل الله لهن سبيلا ) : " أو يضعن ما
في بطونهن " ، وهذا لا معنى له لأن الحكم كان عاما في الحامل والحائل ، فالواجب أن
يكون السبيل مذكورا لهن جميعا .
مطلب : دلالة تكفي عن ذكر مرجع الضمير
واختلف أيضا فيما نسخ هذين الحكمين ، فقال قائلون : نسخ بقوله تعالى :
( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) [ النور : 2 ] ، وقد كان قوله تعالى :
( واللذان يأتيانها منكم ) في البكرين ، فنسخ ذلك عنهما بالجلد المذكور في هذه الآية ،
وبقي حكم الثيب من النساء الحبس فنسخ بالرجم . وقال آخرون : نسخ بحديث عبادة بن
الصامت ، وهو ما حدثنا جعفر بن محمد قال : حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال :
حدثنا أبو عبيد قال : حدثنا أبو النصر عن شعبة عن قتادة عن الحسن عن حطان بن
عبد الله الرقاشي عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خذوا عني ! قد جعل
الله لهن سبيلا ، البكر بالبكر والثيب بالثيب ، البكر تجلد وتنفى والثيب تجلد وترجم " .
وهذا هو الصحيح ، وذلك لأن قوله : " خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا " يوجب أن يكون
بيانا للسبيل المذكور في الآية ، ومعلوم أنه لم يكن بين قول النبي صلى الله عليه وسلم وبين الحبس
والأذى واسطة حكم ، وأن آية الجلد التي في سورة النور لم تكن نزلت حينئذ ، لأنها لو
كانت نزلت كان السبيل متقدما لقوله : " خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا " ولما صح أن
يقول ذلك ، فثبت بذلك أن الموجب لنسخ الحبس والأذى قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث
عبادة بن الصامت ، وأن آية الجلد نزلت بعده . وفي ذلك دليل على نسخ القرآن بالسنة ،
إذ نسخ بقوله : " خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا " ما أوجب الله من الحبس والأذى بنص
التنزيل .
فإن قيل : فقوله تعالى : ( واللذان يأتيانها منكم ) وما ذكر في الآيتين من الحبس
والأذى كان في البكرين دون الثيبين . قيل له : لم يختلف السلف في أن حكم المرأة
الثيب كان الحبس ، وإنما قال السدي إن الأذى كان في البكرين خاصة ، وقد أخبر
النبي صلى الله عليه وسلم عن السبيل المذكور في آية الحبس وذلك لا محالة في الثيب ، فأوجب أن يكون
منسوخا بقوله : " الثيب بالثيب الجلد والرجم " ، فلم يخل الحبس من أن يكون منسوخا
في جميع الأحوال بغير القرآن ، وهي الأخبار التي فيها إيجاب رجم المحصن ، فمنها
حديث عبادة الذي ذكرنا ، حديث عبد الله وعائشة وعثمان حين كان محصورا فاستشهد
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : كفر بعد
إيمان وزنا بعد إحصان وقتل نفس بغير نفس " ، وقصة ماعز والغامدية ورجم النبي صلى الله عليه وسلم
إياهما قد نقلته الأمة لا يتمارون فيه .
أحكام القرآن — صفحة 135
مساهمون: الجصاص
ص١٣٥