باب الوصية بجميع المال إذا لم يكن وارث
قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد : " إذا لم يكن له وارث
فأوصى بجميع ماله جاز " ، وهو قول شريك بن عبد الله . وقال مالك والأوزاعي
والحسن بن صالح : لا تجوز وصيته إلا من الثلث " .
قال أبو بكر : قد بينا دلالة قوله تعالى : ( والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم )
[ النساء : 33 ] وأنهم كانوا يتوارثون بالحلف ، وهو أن يحالفه على أنه إن مات ورثه ما
يسمى له من ميراثه من ثلث أو أكثر ، وقد كان ذلك حكما ثابتا في صدر الاسلام وفرضه
الله تعالى بقوله تعالى : ( والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ) [ النساء : 33 ] ثم أنزل
الله تعالى : ( للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ) وقوله تعالى : ( يوصيكم الله
في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ) وقوله تعالى : ( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض
في كتاب الله ) [ الأنفال : 75 ] ، فجعل ذوي الأرحام أولى من الحلفاء ، ولم يبطل بذلك
ميراث الحلفاء أصلا بل جعل ذوي الأنساب أولى منهم كما جعل الابن أولى من الأخ ،
فإذا لم يكن ذوو الأنساب جاز له أن يجعل ماله على أصل ما كان عليه حكم التوارث في
الحلف . وأيضا فإن الله تعالى أوجب سهام المواريث بعد الوصية بقوله تعالى : ( من بعد
وصية يوصى بها أو دين ) ، وقال : ( للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ) ، وقد
بينا أن ظاهر قوله تعالى : ( من بعد وصية يوصى بها أو دين ) يقتضي جواز الوصية بجميع
المال ، لولا قيام دلالة الاجماع والسنة على منع ذلك ووجوب الاقتصار بها على الثلث
وإيجاب نصيب الرجال والنساء من الأقربين ، فمتى عدم من وجب به تخصيص الوصية
في بعض المال وجب استعمال اللفظ في جواز الوصية بجميع المال على ظاهره
ومقتضاه ، ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث سعد : " إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن
تدعهم عالة يتكففون الناس " ، فأخبر أن منع الوصية بأكثر من الثلث إنما هو لحق الورثة .
ويدل عليه حديث الشعبي وغيره عن عمرو بن شرحبيل قال : قال عبد الله بن مسعود :
" ليس من حي من العرب أحرى أن يموت الرجل منهم ولا يعرف له وارث منكم معشر
همدان ، فإذا كان ذلك فليضع ماله حيث أحب " ، ولا يعلم له مخالف من الصحابة .
وأيضا فإنه لا يخلو من لا وارث له إذا مات من أن يستحق المسلمون ماله من جهة
الميراث أو من جهة أنه مال لا مالك له فيضعه الإمام حيث يرى ، فلما جاز أن يستحقه
الرجل مع ابنه ومع أبيه والبعيد مع القريب علمنا أنه غير مستحق لهم على وجه الميراث ،
لأن الأب والجد لا يجتمعان في استحقاق ميراث واحد من جهة الأبوة . وأيضا لو كان
ميراثا لم يجز حرمان واحد منهم ، لأن سبيل الميراث أن لا يخص به بعض الورثة دون
أحكام القرآن — صفحة 125
مساهمون: الجصاص
ص١٢٥