قال أبو بكر : ولما كان التقصير مسنونا في الشارب عند الجميع كان الحلق أفضل ،
قال النبي عليه السلام : ( رحم الله المحلقين - ثلاثا ) ودعا للمقصرين مرة . فجعل حلق
الرأس أفضل من التقصير . وما احتج به مالك أن عمر كان يفتل شاربه إذا غضب فجائز
أن يكون كان يتركه حتى يمكن فتله ثم يحلقه كما ترى كثيرا من الناس يفعله .
وقوله تعالى : ( إني جاعلك للناس إماما ) فإن الإمام من يؤتم به في أمور الدين
من طريق النبوة ، وكذلك سائر الأنبياء أئمة عليهم السلام لما ألزم الله تعالى الناس من
اتباعهم والائتمام بهم في أمور دينهم ، فالخلفاء أئمة لأنهم رتبوا في المحل الذي يلزم
الناس اتباعهم وقبول قولهم وأحكامهم ، والقضاة والفقهاء أئمة أيضا ، ولهذا المعنى الذي
يصلي بالناس يسمى إماما لأن من دخل في صلاته لزمه الاتباع له والائتمام به . وقال
النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنما جعل الإمام إماما ليؤتم به ، فإذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا )
وقال : ( لا تختلفوا على إمامكم ) فثبت بذلك أن اسم الإمامة مستحق لمن يلزم اتباعه
والاقتداء به في أمور الدين أو في شئ منها . وقد يسمى بذلك من يؤتم به في الباطل ،
إلا أن الإطلاق لا يتناوله ، قال الله تعالى ( وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ) [ القصص :
41 ] فسموا أئمة لأنهم أنزلوهم بمنزلة من يقتدى بهم في أمور الدين وإن لم يكونوا أئمة
يجب بهم كما قال الله تعالى : ( فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون ) [ هود :
101 ] وقال : ( وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا ) [ طه : 97 ] يعني في زعمك
واعتقادك . وقال النبي عليه السلام : ( أخوف ما أخاف على أمتي أئمة مضلون ) والإطلاق
إنما يتناول من يجب الإئتمام به في دين الله تعالى وفي الحق والهدى ، ألا ترى أن قوله
تعالى : ( إني جاعلك للناس إماما ) قد أفاد ذلك من غير تقييد ، وأنا لما ذكر أئمة
الضلال قيده بقوله ( يدعون إلى النار ) [ البقرة : 221 ] .
وإذا ثبت أن اسم الإمامة يتناول ما ذكرناه ، فالأنبياء عليهم السلام في أعلى رتبة
الإمامة ، ثم الخلفاء الراشدون بعد ذلك ، ثم العلماء والقضاة العدول ومن ألزم الله تعالى
الاقتداء بهم ، ثم الإمامة في الصلاة ونحوها . فأخبر الله تعالى في هذه الآية عن إبراهيم
عليه السلام أنه جاعله للناس إماما وأن إبراهيم سأله أن يجعل من وله أئمة بقوله :
( ومن ذريتي ) لأنه عطف على الأول فكان بمنزلة ( واجعل من ذريتي أئمة ) ويحتمل أن
يريد بقوله ( ومن ذريتي ) مسألته تعريفه هل يكون من ذريتي أئمة ؟ فقال تعالى في
جوابه : ( لا ينال عهدي الظالمين ) فحوى ذلك معنيين أنه سيجعل من ذريته أئمة إما على
وجه تعريفه ما سأله أن يعرفه إياه ، وإما على وجه إجابته إلى ما سأل لذريته إذا كان قوله
( ومن ذريتي ) مسألته أن يجعل من ذريته أئمة . وجائز أن يكون أراد الأمرين جميعا ،
أحكام القرآن — صفحة 83
مساهمون: الجصاص
ص٨٣