الرهن ) . وتأوله على ذلك أيضا مالك وسفيان . وقال أبو عبيد : ( لا يجوز في كلام العرب
أن يقال للرهن إذا ضاع : قد غلق الرهن ، إنما يقال : غلق ، إذا استحقه المرتهن فذهب
به ، وهذا كان من فعل أهل الجاهلية فأبطله النبي صلى الله عليه وسلم بقوله لا يغلق الرهن ) . وقال بعض
أهل اللغة : إنهم يقولون غلق الرهن إذا ذهب بغير شئ ، قال زهير :
وفارقتك برهن لا فكاك له * يوم الوداع فأمسى رهنها غلقا
يعني : ذهبت بقلبه شئ ومنه قول الأعشى :
فهل يمنعني ارتياد البلا * دمن حذر الموت أن يأتين
على رقيب له حافظ * فقل في امرئ غلق مرتهن
فقال في البيت الثاني : ( فقل في امرئ ) غلق مرتهن ) يعني أنه يموت فيذهب بغير
شئ كأن لم يكن . فهذا يدل على أن قوله : ( لا يغلق الرهن ) ينصرف على وجهين :
أحدهما إن كان قائما بعينه لم يستحقه المرتهن بالدين عند مضي الأجل ، والثاني : عند
الهلاك لا يذهب بغير شئ . وأما قوله : ( له غنمه وعليه غرمه ) فقد بينا أنه من قول
سعيد بن المسيب أدرجه في الحديث بعض الرواة ، وفصله بعضهم وبين أنه من قوله
وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم . وأما ما تأوله الشافعي من أن له زيادته وعليه نقصانه ، فإنه تأويل
خارج عن أقاويل الفقهاء خطأ في اللغة ، وذلك لأن الغرم في أصل اللغة هو اللزوم ، قال
الله تعالى : ( إن عذابها كان غراما ) [ الفرقان : 65 ] يعني ثابتا لازما . والغريم : الذي قد
لزمه الدين ، ويسمى به أيضا الذي له الدين ، لأن له اللزوم والمطالبة . وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم
يستعيذ بالله من المأثم والمغرم ، فقيل له في ذلك ، فقال : ( إن الرجل إذا غرم حدث
فكذب ووعد فأخلف ) فجعل الغرم هو لزوم المطالبة له من قبل الآدمي . وفي حديث
قبيصة بن المخارق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن المسألة لا تحل إلا من ثلاث : فقر مدقع أو
غرم مفظع أو دم موجع ) . وقال تعالى : ( إنما الصدقات للفقراء ) إلى قوله : ( والغارمين ) [ التوبة : 60 ] وهم المدينون ، وقال تعالى : ( إنا لمغرمون ) [ الواقعة :
66 ] يعني ملزمون مطالبون بديوننا . سنة فهذا أصل الغرم في أصل اللغة ، حدثنا أبو عمر غلام
ثعلب عن ثعلب عن ابن الأعرابي في معنى الغرم ، قال أبو عمر : ( أخطأ من قال إن هلاك
المال ونقصانه يسمى غرما ، لأن الفقير الذي ذهب ماله لا يسمى غريما وإنما الغريم من
توجهت عليه المطالبة للآدمي بدين ) . وإذا كان كذلك فتأويل من تأوله ( وعليه غرمه ) أنه
نقصانه خطأ ، وسعيد بن المسيب هو راوي الحديث ، وقد بينا أنه هو القائل ( له غنمه
وعليه غرمه ) ولم يتأوله على ما قاله الشافعي ، لأن من مذهبه ضمان الرهن . وذكر
أحكام القرآن — صفحة 641
مساهمون: الجصاص
ص٦٤١