إبراهيم قال : حدثنا عبد الرحمن بن محمد عن الجعد بن ذكوان قال : دعا رجل شاهدا له
عند شريح اسمه ربيعة ، فقال : يا ربيعة يا ربيعة ! فلم يجب فقال : يا ربيعة الكويفر !
فأجاب ، فقال له شريح : دعيت باسمك فلم تجب فلما دعيت بالكفر أجبت ! فقال :
أصلحك الله ، إنما هو لقب ، فقال له : قم ! وقال لصاحبه : هات غيره ! وحدثنا عبد الباقي
قال : حدثنا عبد الله بن أحمد قال : حدثني أبي قال : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال :
حدثنا سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس قال : ( الأقلف لا
تجوز شهادته ) . وروى حماد بن أبي سلمة عن أبي المهزم عن أبي هريرة : ( لا تجوز
شهادة أصحاب الحمر ) يعني النخاسين . وروي عن شريح أنه كان لا يجيز شهادة صاحب
حمام ولا حمام . وروى مسعر أن رجلا شهد عند شريح وهو ضيق كم القبا ، فرد شهادته
وقال : كيف يتوضأ وهو على هذه الحال ؟ ! . وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا
معاذ بن المثنى قال : حدثنا سليمان بن حرب قال : حدثنا جرير بن حازم عن الأعمش عن
تميم بن سلمة قال : شهد رجل عند شريح فقال : أشهد بشهادة الله ، فقال : شهدت
بشهادة الله ! لا أجيز لك اليوم شهادة . قال أبو بكر : لما رآه تكلف من ذلك ما ليس عليه
لم يره أهلا لقبول شهادته .
فهذه الأمور التي ذكرناها عن هؤلاء السلف من رد الشهادة من أجلها غير مقطوع
فيها بفسق فاعليها ولا سقوط العدالة ، وإنما دلهم ظاهرها على سخف من هذه حاله
فردوا شهادتهم من أجلها ، لأن كلا منهم تحري موافقة ظاهر قوله تعالى : ( ممن ترضون
من الشهداء ) على حسب ما أداه إليه اجتهاده ، فمن غلب في ظنه سخف من الشاهد أو
مجونه أو استهانته بأمر الدين أسقط شهادته . قال محمد في كتاب أدب القاضي : من
ظهرت منه مجانة لم أقبل شهادته ، قال ولا تجوز شهادة المخنث ولا شهادة من يلعب
بالحمام يطيرها . وقد حكي عن سفيان بن عيينة أن رجلا شهد عند ابن أبي ليلى فرد
شهادته ، قال فقلت لابن أبي ليلى : مثل فلان وحاله كذا وحال ابنه كذا ترد شهادته ؟ !
فقال : أين يذهب بك ؟ إنه فقير . فكان عنده أن الفقر يمنع الشهادة ، إذ لا يؤمن به أن
يحمله الفقر على الرغبة في المال وإقام شهادة بما لا تجوز . وقال مالك بن أنس : ( لا
تجوز شهادة السؤال في الشئ الكثير وتجوز في الشئ التافه إذا كانوا عدولا ) فشرط
مالك مع الفقر المسألة ، ولم يقبلها في الشئ الكثير للتهمة وقبلها في اليسير لزوال
التهمة . وقال المزني والربيع عن الشافعي : ( إذا كان الأغلب على الرجل والأظهر من
أمره الطاعة والمروءة قبلت شهادته ، وإذا كان الأغلب من حاله المعصية وعدم المروءة
ردت شهادته ) . وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن الشافعي : ( إذا كان أكثر أمره
أحكام القرآن — صفحة 613
مساهمون: الجصاص
ص٦١٣