الحدود والقصاص ولا في الطلاق ولا في النكاح ولا في الأنساب ولا في الولاء ولا في
الإحصان ، وتجوز في الوكالة والوصية إذا لم يكن فيها عتق ) . وقال الثوري : ( تجوز
شهادتهن في كل شئ إلا الحدود ) وروي عنه أنها لا تجوز في القصاص أيضا . وقال
الحسن بن حي : ( لا تجوز شهادتهن في الحدود ) . وقال الأوزاعي : ( لا تجوز شهادة
رجل وامرأتين في نكاح ) . وقال الليث : ( تجوز شهادة النساء في الوصية والعتق ولا تجوز
في النكاح لا الطلاق ولا الحدود ولا قتل العمد الذي يقاد منه ) . وقال الشافعي : ( لا
تجوز شهادة النساء مع الرجال في غير الأموال ، ولا يجوز في الوصية إلا الرجل ، وتجوز
في الوصية بالمال ) .
قال أبو بكر : ظاهر هذه الآية يقتضي جواز شهادتهن مع الرجل في سائر عقود
المداينات ، وهي كل عقد واقع على دين سواء كان بدله مالا أو بضعا أو منافع أو دم
عمد ، لأنه عقد فيه دين ، إذ المعلوم أنه ليس مراد الآية في قوله تعالى : ( إذا تداينتم بدين
إلى أجل مسمى ) أن يكون المعقود عليهما من البدلين دينين ، لامتناع جواز ذلك إلى
أجل مسمى ، فثبت أن المراد وجود دين عن بدل أي دين كان ، فاقتضى ذلك جواز شهادة
النساء مع الرجل على عقد نكاح فيه مهر مؤجل إذا كان ذلك عقد مداينة ، وكذلك الصلح
من دم العمد والخلع على مال والإجارات . فمن ادعى خروج شئ من هذه العقود من
ظاهر الآية لم يسلم له ذلك إلا بدلالة ، إذ كان العموم مقتضيا لجوازها في الجميع .
ويدل على جواز شهادة النساء في غير الأموال ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال :
حدثنا أحمد بن القاسم الجوهري قال : حدثنا محمد بن إبراهيم أخو أبي معمر قال :
حدثنا محمد بن الحسن بن أبي يزيد ، عن الأعمش عن أبي وائل ، عن حذيفة : ( أن
النبي صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة القابلة والولادة ليست بمال وأجاز شهادتها عليها ) . فدل ذلك على
أن شهادة النساء ليست مخصوصة بالأموال ، ولا خلاف في جواز شهادة النساء على
الولادة ، وإنما الاختلاف في العدد . وأيضا لما ثبت أن اسم الشهيدين واقع في الشرع
على الرجل والمرأتين ، وقد ثبت أن اسم البينة يتناول الشهيدين ، وجب بعموم قوله :
( البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه ) القضاء بشهادة الرجل والمرأتين في كل
دعوى ، إذ قد شملهم اسم البينة ، ألا ترى أنها بينة في الأموال ، فلما وقع عليها الاسم
وجب بحق العموم قبولها لكل مدع إلا أن تقوم الدلالة على تخصيص شئ منه ؟ وإنما
خصصنا الحدود والقصاص لما روى الزهري قال : ( مضت السنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم
والخليفتين من بعده أن لا تجوز شهادة النساء في الحدود ولا في القصاص ) . وأيضا لما
اتفق الجميع على قبول شهادتهن مع الرجل في الديون وجب قبولها في كل حق لا تسقطه
أحكام القرآن — صفحة 609
مساهمون: الجصاص
ص٦٠٩