أتاه جبريل عليه السلام فأخبره أنها سحرته في جف طلعة وهو تحت راعوفة البئر ،
فاستخرج وزال عن النبي عليه السلام ذلك العارض : وقد قال الله تعالى مكذبا للكفار
فيما ادعوه من ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال جل من قائل : ( وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا
مسحورا ) [ الفرقان : 8 ] .
ومثل هذه الأخبار من وضع الملحدين تلعبا بالحشو الطغام واستجرارا لهم إلى
القول بإبطال معجزات الأنبياء عليهم السلام والقدح فيها ، وأنه لا فرق بين معجزات
الأنبياء وفعل السحرة ، وأن جميعه من نوع واحد . والعجب ممن يجمع بين تصديق
الأنبياء عليهم السلام وإثبات معجزاتهم وبين التصديق بمثل هذا من فعل السحرة مع قوله
تعالى : ( ولا يفلح الساحر حيث أتى ) [ طه : 69 ] فصدق هؤلاء من كذبه الله وأخبر
ببطلان دعواه وانتحاله .
وجائز أن تكون المرأة اليهودية بجهلها فعلت ذلك ظنا منها بأن ذلك يعمل في
الأجساد ، وقصدت به النبي عليه السلام ، فأطلع الله نبيه على موضع سرها وأظهر جهلها
فيما ارتكبت وظنت ليكون ذلك من دلائل نبوته ، لا أن ذلك ضره وخلط عليه أمره . ولم
يقل كل الرواة أنه اختلط عليه أمره ، وإنما هذا اللفظ زيد في الحديث ولا أصل له .
والفرق بين معجزات الأنبياء وبين ما ذكرنا من وجوه التخييلات ، أن معجزات
الأنبياء عليهم السلام هي على حقائقها وبواطنها كظواهرها ، وكلما تأملتها ازددت بصيرة
في صحتها ، ولو جهد الخلق كلهم على مضاهاتها ومقابلتها بأمثالها ظهر عجزهم عنها ،
ومخاريق السحرة وتخييلاتهم إنما هي ضرب من الحيلة والتلطف لإظهار أمور لا حقيقة
لها ، وما يظهر منها على غير حقيقتها ، يعرف ذلك بالتأمل والبحث . ومتى شاء شاء أن
يتعلم ذلك بلغ فيه مبلغ غيره ويأتي بمثل ما أظهره سواه .
قال أبو بكر : قد ذكرنا في معنى السحر وحقيقته ما يقف الناظر على جملته
وطريقته ، ولو استقصينا ذلك من وجوه الحيل لطال واحتجنا إلى استئناف كتاب لذلك ،
وإنما الغرض في هذا الموضع بيان معنى السحر وحكمه . والآن حيث انتهى بنا القول إلى
ذكر قول الفقهاء فيه وما تضمنته الآية من حكمه وما يجري على مدعي ذلك من العقوبات
على حسب منازلهم في عظم المأثم وكثرة الفساد ، والله أعلم بالصواب .
باب اختلاف الفقهاء في حكم الساحر وقول السلف فيه
حدثنا عبد الباقي ، حدثنا عثمان بن عمر الضبي قال : حدثنا عبد الرحمن بن رجاء
قال : أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن هبيرة عن عبد الله قال : ( من أتى كاهنا أو عرافا
أحكام القرآن — صفحة 59
مساهمون: الجصاص
ص٥٩