لا يخلو من استحقاق البدل له مع ورود الطلاق قبل الدخول ، وفارق النكاح بهذا المعنى
سائر العقود لأن عود المبيع إلى ملك البائع يوجب سقوط الثمن كله ، وسقوط حق الزوج
عن بضعها بالطلاق قبل الدخول لا يخرجه من استحقاق بدل ما هو نصف المسمى ،
فوجب أن يكون ذلك حكمه إذا لم تكن فيه تسمية ، والمعنى الجامع بينهما ورود الطلاق
قبل الدخول . وأيضا فإن مهر المثل مستحق بالعقد ، والمتعة هي بعض مهر المثل ،
فتجب كما يجب نصف المسمى إذا طلق قبل الدخول .
فإن قيل : مهر المثل دراهم ودنانير والمتعة إنما هي أثواب . قيل له : المتعة أيضا
عندنا دراهم ودنانير لو أعطاها لم يجبر على غيرها . وهذا الذي ذكرناه من أنها بعض مهر
المثل يسوغ على مذهب محمد ، لأنه يقول : ( إذا رهنها بمهر المثل رهنا ثم طلقها قبل
الدخول كان رهنا بالمتعة محبوسا بها ، إن هلك هلك بها ) وأبو يوسف فإنه لا يجعله
رهنا بالمتعة فإن هلك هلك بغير شئ والمتعة واجبة باقية عليه ، فهذا يدل على أنه لم
يرها بعض مهر المثل ولكنه أوجبها بمقتضى ظاهر القرآن ، وبالاستدلال بالأصول على أن
البضع لا يخلو من بدل مع ورود الطلاق قبل الدخول ، وأنه لا فرق بين وجود التسمية في
العقد وبين عدمها ، إذ غير جائز حصول ملك البضع له بغير بدل ، فوجوب مهر المثل
بالعقد عند عدم التسمية كوجوب المسمى فيه ، فوجب أن يستوي فيه حكمهما في وجوب
بدل البضع عند ورود الطلاق قبل الدخول وأن تكون المتعة قائمة مقام بعض مهر المثل
وإن لم تكن بعضه ، كما تقوم القيم مقام المستهلكات . وقد قال إبراهيم في المطلقة قبل
الدخول وقد سمي لها أن لها نصف الصداق : ( هو متعتها ) فكانت المتعة اسما لما يستحق
بعد الطلاق قبل الدخول ويكون بدلا من البضع .
فإن قيل إذا قامت مقام بعض مهر المثل فهو عوض من المهر ، والمهر لا يجب له
عوض قبل الطلاق ، فكذلك بعده ؟ قيل له : لم نقل إنه لم بدل منه وإن قام مقامه ، كما لا
نقول إن قيم المستهلكات أبدال لها بل كأنها هي حين قامت مقامها ، ألا ترى أن المشتري
لا يجوز له أخذ بدل المبيع قبل القبض ببيع ولا غيره ؟ ولو كان استهلكه مستهلك كان له
أخذ القيمة منه لأنها تقوم مقامه كأنها هو لا على معنى العوض ، فكذلك المتعة تقوم مقام
بعض مهر المثل بدلا من البضع كما يجب نصف المسمى بدلا من البضع مع الطلاق .
فإن قيل : لو كانت المتعة تقوم مقام بعض مهر المثل بدلا من البضع لوجب
اعتبارها بالمرأة كما يعتبر مهر المثل بحالها دون حال الزوج ، فلما أوجب الله تعالى
اعتبار المتعة بحال الرجل في قوله تعالى : ( ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر
قدره ) دل على أنها ليست بدلا من البضع ، وإذا لم تكن بدلا من البضع لم يجز أن تكن
أحكام القرآن — صفحة 521
مساهمون: الجصاص
ص٥٢١