الطلاق من يوم طلق ) وهو قول ربيعة . وقال الشعبي وسعيد بن المسيب : ( إذا قامت البينة
فالعدة من يوم يموت ، وإذا لم تقم بينة فمن يوم يأتيها الخبر ) . وجائز أن يكون مذهب
علي على هذا المعنى بأن يكون قد خفي عليها وقت الموت فأمرها بالاحتياط من يوم
يأتيها الخبر ، وذلك لأن الله تعالى نص على وجوب العدة بالموت والطلاق بقوله :
( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن ) كما قال تعالى : ( والمطلقات
يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ) فأوجب العدة فيهما بالموت وبالطلاق ، فواجب أن تكون
العدة فيهما من يوم الموت والطلاق ، ولما اتفقوا على أن عدة المطلقة من يوم طلق ولم
يعتبروا وقت بلوغ الخبر ، كذلك عدة الوفاء ، لأنهما جميعا سببا وجوب العدة ، وأيضا
فإن العدة ليست هي فعلها فيعتبر فيها علمها ، وإنما هي مضي الأوقات ، ولا فرق بين
علمها بذلك وبين جهلها به . وأيضا لما كانت العدة موجبة عن الموت كالميراث ، وإنما
يعتبر في الميراث وقت الوفاة لا وقت بلوغ خبرها ، وجب أن تكون كذلك العدة وأن لا
يختلف فيها حكم العلم والجهل كما لا يختلف في الميراث . وأيضا فإن أكثر ما في العلم
أن تجتنب ما تجتنبه المعتدة من الخروج والزينة إذا علمت ، فإذا لم تعلم فترك اجتناب ما
يلزم اجتنابه في العدة لم يكن مانعا من انقضاء العدة ، لأنها لو كانت عالمة بالموت فلم
تجتنب الخروج والزينة لم يؤثر ذلك في انقضاء العدة فكذلك إذا لم تعلم به .
قوله تعالى : ( أربعة أشهر وعشرا ) ذكر سليمان بن شعيب عن أبيه عن أبي يوسف
عن أبي حنيفة ، أنه قال في المتوفى عنها زوجها والمعتدة من الطلاق بالشهور : ( إنه إن
وجبت مع رؤية الهلال اعتدت بالأهلة كان الشهر ناقصا أو تاما ، وإن كانت العدة وجبت
في بعض شهر لم تعمل على الأهلة واعتدت تسعين يوما في الطلاق وفي الوفاة مائة
وثلاثين يوما ) . وذكر أيضا سليمان بن شعيب عن أبيه عن محمد عن أبي يوسف عن
أبي حنيفة بخلاف ذلك ، قال : ( إن كانت العدة وجبت في بعض شهر فإنها تعتد بما بقي
من ذلك الشهر أياما ، ثم تعتد لما يمر عليها من الأهلة شهورا ، ثم تكمل الأيام الأول
ثلاثين يوما ، وإذا وجبت العدة مع رؤية الهلال اعتدت بالأهلة ) ، وهو قول أبي يوسف
ومحمد والشافعي . وروي عن مالك في الإجارة مثله . وقال ابن القاسم : وكذلك قوله
في الأيمان والطلاق ، وكذلك قال أصحابنا في الإجارة . وروى عمرو بن خالد عن زفر
في الإيلاء في بعض الشهر ( أنها تعتد بكل شهر يمر عليها ناقصا أو تاما ) قال : وقال
أبو يوسف : ( تعتد بالأيام حتى تستكمل مائة وعشرين يوما ولا تنظر إلى نقصان الشهر ولا
إلى تمامه ) .
قال أبو بكر : وهذا على ما حكاه سليمان بن شعيب عن أبيه عن أبي يوسف عن
أحكام القرآن — صفحة 504
مساهمون: الجصاص
ص٥٠٤