آبائكم ) [ النور : 61 ] فذكر بيوت هؤلاء الأقرباء ولم يذكر بيت الابن ولا ابن الابن ، لأن
قوله : ( من بيوتكم ) [ النور : 61 ] قد اقتضى ذلك ، كقوله : ( أنت ومالك لأبيك ) فأضاف
إليه ملك الابن كما أضاف إليه بيت الابن واقتصر على إضافة البيوت إليه . والدليل على
أنه أراد بيوت الابن وابن الابن ، أنه قد كان معلوما قبل ذلك أن الانسان غير محظور عليه
مال نفسه ، فإنه لا وجه لقول القائل : لا جناح عليك في أكل مال نفسك ، فدل ذلك على
أن المراد بقوله : ( أن تأكلوا من بيوتكم ) [ النور : 61 ] هي بيوت الأبناء وأبناء الأبناء ، إذ
لم يذكرهما جميعا كما ذكر سائر الأقرباء .
وقد اختلف موجبو النفقة على الورثة على قدر مواريثهم ، فقال أصحابنا : ( هي
على كل من كان من أهل الميراث على قدر ميراثه من الصبي إذا كان ذا رحم محرم منه ،
ولا نفقة على من لم يكن ذا رحم محرم من الصبي وإن كان وارثا ) . ولذلك أوجبوا النفقة
على الخال والميراث لابن العم ، لأن ابن العم ليس رحم محرم ، والخال وإن لم
يكن وارثا في هذه الحال فهو من أهل الميراث ذو رحم محرم ، وذلك لأنه معلوم أنه لم
يرد به وارثا في حال الحياة لأن الميراث لا يكون في حال الحياة ، وبعد الموت لا يدرى
من يرثه ، وعسى أن يكون هذا الصبي يرث هذا الذي عليه النفقة بموته قبله ، وجائز أن
يحدث له من الورثة من يحجب من أوجبنا عليه . ولما كان ذلك كذلك علمنا أنه ليس
المراد حصول الميراث وإنما المعنى أنه ذو رحم محرم من أهل الميراث . وقال ابن أبي
ليلى : ( النفقة واجبة على كل وارث ) ذا رحم محرم كان أو غير ذي رحم محرم ) ،
فيوجبها على ابن العم دون الخال والدليل على صحة ما ذكرنا اتفاق الجميع على أن
مولى العتاقة لا تجب عليه النفقة وإن كان وارثا ، وكذلك المرأة لا تجب عليها نفقة
زوجها الصغير وهي ممن يرثه ، فدل ذلك على أن كونه ذا رحم محرم شرط في إيجاب
النفقة .
وأما قوله عز وجل : ( حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ) فإنه لا يخلو
توقيت الحولين من أحد معنيين : إما أن يكون تقديرا لمدة الرضاع الموجب للتحريم ، أو
لما يلزم الأب من نفقة الرضاع ، فلما قال في نسق التلاوة بعد ذكر الحولين : ( فإن أرادا
فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما ) دل ذلك على أن الحولين ليسا تقديرا
لمدة الرضاع الموجب للتحريم ، لأن الفاء للتعقيب ، فواجب أن يكون الفصال الذي علقه
بإرادتهما بعد الحولين ، وإذا كان الفصال معلقا بتراضيهما وتشاورهما بعد الحولين فقد
دل ذلك على أن ذكر الحولين ليس هو من جهة توقيت نهاية الرضاع الموجب للتحريم
وإنه جائز أن يكون بعدهما رضاع . وقد روى معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن
أحكام القرآن — صفحة 495
مساهمون: الجصاص
ص٤٩٥