قال أبو بكر : وظاهر قوله : ( وعلى الوارث مثل ذلك ) واتفاق السلف على ما
وصفنا من إيجاب النفقة يقضيان بفساد هذين القولين ، لأن قوله : ( وعلى الوارث مثل
ذلك ) عائد على جميع المذكورين في النفقة والمضارة ، وغير جائز لأحد تخصيصه بغير
دلالة . وقد ذكرنا اختلاف السلف فيمن تجب عليه من الورثة ، ولم يقل أحد منهم إن
الأخ والعم لا تجب عليهما النفقة ، وقول مالك والشافعي خارج عن قول الجميع . ومن
حيث وجب على الأب وهو ذو رحم محرم ، وجب على من هو بهذه الصفة الأقرب
فالأقرب لهذه العلة . ويدل عليه قوله تعالى : ( ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم )
إلى قوله تعالى : ( أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ) [ النور : 61 ] فذكر ذوي الرحم
المحرم وجعل لهم أن يأكلوا من بيوتهم ، فدل على أنهم مستحقون لذلك ، لولاه لما
أباحه لهم .
فإن قيل : قد ذكر فيه : ( أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ) [ النور : 61 ] ولا
يستحقان النفقة . قيل له : هو منسوخ عنهم بالاتفاق ، ولم يثبت نسخ ذوي الرحم
المحرم .
فإن قيل : فأوجبوا النفقة على ابن العم إذا ان وارثا ! قيل له : الظاهر يقتضيه
وخصصناه بدلالة .
فإن قيل : فإن كان قوله : ( وعلى الوارث مثل ذلك ) موجبا للنفقة على كل وارث ،
فالواجب إيجاب النفقة على الأب والأم على قدر مواريثهما منه . قيل له : إنما المراد
( وعلى الوارث غير الأب ) وذلك لأنه قد تقدم ذكر الأب في أول الخطاب بإيجاب جميع
النفقة عليه دون الأم ، ثم عطف عليه قوله : ( وعلى الوارث مثل ذلك ) وغير جائز أن
يكون مراده الأب مع سائر الورثة لأنه نسخ ما قد تقدم ، وغير جائز وجود الناسخ
والمنسوخ في شئ واحد في خطاب ، إذ كان النسخ غير جائز ، إلا بعد استقرار الحكم
والتمكين من الفعل . وذكر إسماعيل بن إسحاق أنه إذا ولد مولود وأبوه ميت أو معدوم
فعلى أمه أن ترضعه ، لقوله تعالى : ( والوالدات يرضعن أولادهن ) فلا يسقط عنها
بسقوط ما كان يجب على الأب ، فإن انقطع لبنها بمرض أو غيره فلا شئ عليها ، وإن
كان يمكنها أن تسترضع فلم تفعل وخافت عليه الموت ، وجب عليها أن تسترضع لا من
جهة ما على الأب لكن من جهة أن على كل واحد إعانة من يخاف عليه إذا أمكنه .
وهذا الفصل من كلامه يشتمل على ضروب من الاختلال ، أحدها : أنه أوجب
الرضاع على الأم لقوله : ( والوالدات يرضعن أولادهن ) وأعرض عن ذكر ما يتصل به من
أحكام القرآن — صفحة 493
مساهمون: الجصاص
ص٤٩٣