فإن قيل : تأجيل العنين حولا بالاتفاق ، تخيير امرأته بعد مضي الحول إذا لم يصل
إليها في الحول ، ولم يوجب ذلك زيادة في الأجل ، كذلك ما ذكرت من حكم الإيلاء
إيجاب الوقف بعد المدة لا يوجب زيادة فيها . قيل له : ليس في الكتاب ولا في السنة
تقدير أجل العنين ، وإنما أخذ حكمه من قول السلف ، والذين قالوا إنه يؤجل حولا هم
الذين خيروها بمضيه قبل الوصول إليها ولم يوقعوا الطلاق قبل مضي المدة ، ومدة الإيلاء
مقدرة بالكتاب من غير ذكر التخيير معها ، فالزائد فيها مخالف لحكمه . وأيضا فإن أجل
العنين إنما يوجب لها الخيار بمضيه ، وأجل المولي عندك إنما يوجب عليه الفئ ، فإن
قال ( أفئ ) لم يفرق بينهما ، ولو قال العنين ( أنا أجامعها بعد ذلك ) لم يلتفت إلى قوله
وفرق بينهما باختيارها .
فإن قيل : لما لم يكن الإيلاء بصريح الطلاق ولا كناية عنه ، فالواجب أن لا يقع
الطلاق . قيل له : وليس اللعان بصريح الطلاق ولا كناية عنه ، فيجب على قول المخالف
أن لا توقع الفرقة حتى يفرق الحاكم . ولا يلزمنا على أصلنا ، لأن الإيلاء يجوز أن يكون
كناية عن الفرقة ، إذ أن قوله ( لا أقربك ) يشبه كناية الطلاق ، ولما كان أضعف أمرا من
غيرها فلا يقع به الطلاق إلا بانضمام أمر آخر إليه وهو مضي المدة على النحو الذي
يقوله ، إذ قد وجدنا من الكنايات مالا يقع فيه الطلاق بقول الزوج إلا بانضمام معنى
آخر إليه ، وهو قول الزوج لامرأته ( قد خيرتك ) وقوله ( أمرك بيدك ) فلا يقع الطلاق فيه
إلا باختيارها . فكذلك لا يمتنع أن يقال في الإيلاء إنه كناية ، إلا أنه أضعف حالا من
سائر الكنايات ، فلا يقع فيه الطلاق باللفظ دون انضمام معنى آخر إليه . فأما اللعان فلا
دلالة فيه على معنى الكنايات ، لأن قذفه إياها بالزنا وتلا عنهما لا يصلح أن يكون عبارة
عن البينونة بحال . وأيضا فإن اللعان مخالف للإيلاء من جهة أن حكمه لا يثبت إلا عند
الحاكم ، والإيلاء يثبت حكمه بغير الحاكم ، فكذلك ما يتعلق به من الفرقة . وبهذا المعنى
فارق العنين أيضا ، لأن تأجيل متعلق بالحاكم ، والإيلاء يثبت حكمه من غير حاكم
فكذلك ما يتعلق به من حكم الفرقة .
واحتج من قال بالوقف بقوله تعالى : ( وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ) أنه
لما قال ( سميع عليم ) دل على أن هناك قولا مسموعا وهو الطلاق . قال أبو بكر : وهذا
جهل من قائله ، من قبل أن السميع لا يقتضي مسموعا ، لأن الله تعالى لم يزل سميعا ولا
مسموع . وأيضا قال الله تعالى : ( وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم ) وليس
هناك قول ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تتمنوا لقاء العدو ، فإذا لقيتموهم فاثبتوا وعليكم
بالصمت ) . لا وأيضا جائز أن يكون ذلك راجعا إلى أول الكلام ، وهو قوله تعالى ( للذين
أحكام القرآن — صفحة 438
مساهمون: الجصاص
ص٤٣٨