يطأها في العدة ) . وقال الشافعي : ( ولو عفت عن ذلك بعد المدة كان لها بعد ذلك أن
تطلب ولا يؤجل في الجماع أكثر من يوم ) . وقال الأوزاعي بقول سعيد بن المسيب
وسالم ومن تابعهما أنها تطلق واحدة رجعية بمضي المدة .
قال أبو بكر : قوله تعالى : ( وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ) يحتمل الوجوه
التي حصل عليها اختلاف السلف ، ولولا احتماله لها لما تأولوه عليها ، لأنه غير جائز
تأويل اللفظ المأول على مالا احتمال فيه ، وقد كان السلف من أهل اللغة والعالمين بما
يحتمل من الألفاظ والمعاني المختلفة ومالا يحتملها ، فلما اختلفوا فيه على هذه الوجوه
دل ذلك على احتمال اللفظ لها . ومن جهة أخرى ، وهي أن هذا الاختلاف قد كان شائعا
مستفيضا فيما بينهم من غير نكير ظهر من واحد منهم على غيره ، فصار ذلك إجماعا منهم
على توسع الاجتهاد في حمله على أحد هذه الوجوه ، وإذا ثبت ذلك احتجنا أن ننظر في
الأولى من هذه الأقاويل وأشبهها بالحق ، فوجدنا ابن عباس قد قال : ( عزيمة الطلاق
انقضاء الأربعة الأشهر قبل الفئ إليها ) فسمى ترك الفئ حتى تمضي المدة عزيمة
الطلاق ، فوجب أن يصير ذلك اسما له ، لأنه لم يخل من أن يكون قاله شرعا أو لغة ،
وأي الوجهين كان فحجته ثابته واعتبار عمومه واجب إذا كانت أسماء الشرع لا تؤخذ إلا
توقيفا . وإذا كان هكذا ، وقد علمنا أن حكم الله في المولي أحد شيئين : إما الفئ وإما
عزيمة الطلاق ، وجب أن يكون الفئ مقصورا على الأربعة الأشهر وأنه فائت بمضيها
فتطلق ، لأنه لو كان الفئ باقيا لما كان مضي المدة عزيمة للطلاق . ومن جهة أخرى ،
وهو أنه معلوم أن العزيمة إنما هي في الحقيقة عقد القلب على الشئ ، تقول ( عزمت
علي كذا ) أي عقدت قلبي على فعله ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون مضي المدة أولى
بمعنى عزيمة الطلاق من الوقف ، لأن الوقف يقتضي إيقاع طلاق بالقول إما أن يوقعه
الزوج وإما أن يطلقها القاضي عليه على قول من يقول بالوقف ، وإذا كان كذلك كان
وقوع الفرقة بمضي المدة لتركه الفئ فيها أولى بمعنى الآية ، لأن الله لم يذكر إيقاعا
مستأنفا وإنما ذكر عزيمة ، فغير جائز أن نزيد في الآية ما ليس فيها . ووجه آخر ، وهو أنه
لما قال : ( للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤا فإن الله غفور رحيم وإن
عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ) اقتضى ذلك أحد أمرين من فئ أو عزيمة طلاق
لا ثالث لهما ، والفئ إنما هو مراد في المدة مقصور الحكم عليها ، والدليل عليه قوله
تعالى : ( فإن فاؤا ) والفاء للتعقيب يقتضي أن يكون الفئ عقيب اليمين ، لأنه جعل
الفئ عقيب اليمين ، لأنه جعل الفئ لمن له تربص أربعة أشهر . وإذا كان حكم الفئ
مقصورا على المدة ثم فات بمضيها وجب حصول الطلاق ، إذ غير جائز له أن يمنع الفئ
أحكام القرآن — صفحة 436
مساهمون: الجصاص
ص٤٣٦