حكم صوم التمتع ، وأن يكون قوله تعالى : ( فصيام ثلاثة أيام في الحج ) في غير هذه
الأيام ، قال أبو بكر : وأيضا لما قال : ( فصيام ثلاثة أيام في الحج ) ولم يكن صوم هذه
الأيام في الحج لأن الحج فائت في هذا الوقت ، لم يجز أن يصومها .
فإن قيل : لما قال ( فصيام ثلاثة أيام في الحج ) وهذه من أيام الحج . وجب أن
يجوز صومهن فيها . قيل له : لا يجب ذلك من وجوه : أحدها أن نهي النبي عليه السلام
عن صوم هذه الأيام قاض عليه ومخصص له كما خص قوله تعالى ( فعدة من أيام أخر )
نهيه عن صيام هذه الأيام . والثاني : أنه لو كان جائز إلا أنه من أيام الحاج لوجب أن يكون
صوم يوم النحر أجوز ، لأنه أخص بأفعال الحج من هذه الأيام . والثالث : أن النبي صلى الله عليه وسلم
خص يوم عرفة بالحج بقوله : ( الحج عرفة ) فقوله : ( فصيام ثلاثة أيام في الحج ) يقتضي
أن يكون آخرها يوم عرفة . والرابع : أنه روي أن يوم الحج الأكبر يوم عرفة ، وروي أنه
يوم النحر ، وقد اتفقوا أنه لا يصوم يوم النحر مع أنه يوم الحج ، فما لم يسم يوم الحج من
الأيام المنهي عن صومها أحرى أن لا يصوم فيها ، وأيضا فإن الذي يبقى بعد يوم النحر ،
إنما هو من توابع الحج ، وهو رمي الجمار ، فلا اعتبار به في ذلك ، فليس هو إذا من أيام
الحج ، فلا يكون صومها صوما في الحج . وأما القول في صومها بعد أيام منى ، فإن
أصحابنا لم يجيزوه لقوله تعالى : ( فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام
في الحج ) فجعل أصل الفرض هو الهدي ونقله إلى صوم مقيد بصفة وقد فات ، فوجب
أن يكون الواجب هو الهدي ، كقوله : ( فصيام شهرين متتابعين ) [ النساء : 92 ] وقوله :
( فتحرير رقبة مؤمنة ) ، فغير جائز وقوعها عن الكفارة إلا على الصفة المشروطة .
فإن قيل : أكثر ما فيه إيجاب فعله في وقت ، فلا يسقطه فواته ، كقوله تعالى : ( أقم
الصلاة لدلوك الشمس ) [ الإسراء : 78 ] و ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى )
البقرة : 238 ] وقوله ( وقرآن الفجر ) وما جرى مجرى ذلك من الفروض المخصوصة
بأوقاتها ثم لم يكن فواتها مسقطا لها . فالجواب عن هذا من وجهين : أحدهما أن كل
فرض مخصوص بوقت فإن فوات الوقت يسقطه ، وإنما يحتاج إلى دلالة أخرى في
إيجاب فرض آخر ، لأن المفروض في هذا الوقت الثاني هو غير المفروض في الوقت
الأول ، ولولا قول النبي عليه السلام : ( من نام عن الصلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ) لما
وجب قضاء الصلوات إذا فاتت عن أوقاتها ، وكذلك لولا قوله : ( فعدة من أيام أخر ) لما
وجب قضاء صوم رمضان بعد فواته عن وقته ، ولما كان صوم الثلاثة الأيام مخصوصا
بوقت ومعقودا بصفة - وهو فعله في الحج ثم لم يفعله على الصفة المشروطة وفي الوقت
المخصوص به - لم يجز إيجاب قضائه وإقامة غيره مقامه إلا بتوقيف . والثاني : أن صوم
أحكام القرآن — صفحة 358
مساهمون: الجصاص
ص٣٥٨