تحصوه فتاب عليكم ) [ المزمل : 20 ] يعني والله أعلم : خفف عنكم . وكما قال عقيب
ذكر حكم قتل الخطأ : ( فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله ) [ النساء : 92 ]
يعني تخفيفه ، لأن قاتل الخطأ لم يفعل شيئا تلزمه التوبة منه .
وقوله تعالى : ( وعفا عنهم ) يحتمل أبو أيضا العفو عن الذنب الذي اقترفوه بخيانتهم
لأنفسهم ، ثم لما أحدثوا التوبة منه عفا عنهم في الخيانة ، ويحتمل أيضا التوسعة
والتسهيل بإباحة ما أباح من ذلك ، لأن العفو يعبر به في اللغة عن التسهيل ، كقول النبي
صلى الله عليه وسلم : ( أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله ) يعني تسهيله وتوسعته .
وقوله تعالى : ( فالآن باشروهن ) إباحة للجماع المحظور كان قبل ذلك في ليالي
الصوم . والمباشرة هي إلصاق البشر بالبشرة ، وهي في هذا الموضع كناية عن الجماع ،
قال زيد بن أسلم : ( هي المواقعة والجماع ) وقال في المباشرة مرة : ( هي إلصاق الجلد
بالجلد ) ، وقال الحسن : ( المباشرة النكاح ) ، وقال مجاهد : ( الجماع ) . وهو مثل قوله عز
وجل : ( ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ) .
وقوله : ( وابتغوا ما كتب الله لكم ) . قال عبد الوهاب عن أبيه عن ابن عباس قال :
( الولد ) . وعن مجاهد والحسن والضحاك والحكم مثله . وروى معاذ بن هشام قال :
حدثني أبي عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس ( وابتغوا ما كتب الله
لكم ) قال : ( ليلة القدر ) . وقال قتادة في قوله : ( وابتغوا ما كتب الله لكم ) قال :
( الرخصة التي كتب الله لكم ) .
قال أبو بكر : إذا كان المراد بقوله : ( فالآن باشروهن ) الجماع ، فقوله : ( وابتغوا
ما كتب الله لكم ) لا ينبغي أن يكون محمولا على الجماع لما فيه من تكرار المعنى في
خطاب واحد ، ونحن متى أمكننا استعمال كل لفظ على فائدة مجددة فغير جائز الاقتصار
بها على فائدة واحدة ، وقد أفاد قوله : ( فالآن باشروهن ) إباحة الجماع ، فالواجب أن
يكون قوله : ( وابتغوا ما كتب الله لكم ) على غير الجماع .
ثم لا يخلو من أن يكون المراد به ليلة القدر على ما رواه أبو الجوزاء عن ابن
عباس ، أو الولد على ما روي عنه وعن غيره ممن قدمنا ذكره ، أو الرخصة على ما روي
عن قتادة . فلما كان اللفظ محتملا لهذه المعاني - ولولا احتماله لها لما تأوله السلف
عليها - وجب أن يكون محمولا على الجميع ، وعلى أن الكل مراد الله تعالى ، فيكون
اللفظ منتظما لطلب ليلة القدر في رمضان ولاتباع رخصة الله تعالى ولطلب الولد ، فيكون
العبد مأجورا على ما يقصده من ذلك ، ويكون الأمر بطلب الولد على معنى ما روي عن
أحكام القرآن — صفحة 276
مساهمون: الجصاص
ص٢٧٦