ذلك أن فعله مندوب إليه ومستحب لا حتما واجبا .
والذي ذكره ابن أبي عمران هو أولى بمذهب أبي حنيفة وسائر أصحابنا ، لما روي
عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق الزهري ، وإن كان مرسلا وعن السلف ، فلأن ذلك موافق لظاهر
الآية ، إذ كانت تقتضي تحديد تكبير عند إكمال العدة ، والفطر أولى بذلك من الأضحى .
وإذا كان ذلك عنده مسنونا في الأضحى فالفطر كذلك ، لأن صلاتي العيد لا تختلفان في
حكم التكبير فيهما والخطبة بعدهما وسائر سننهما ، فكذلك ينبغي أن تكون سنة التكبير
في الخروج إليهما .
وفي هذه الآية دلالة على بطلان قول أهل الجبر ، لأن فيها أن الله قد أراد من
المكلفين إكمال العدة واليسر وليكبروه ويحمدوه ويشكروه على نعمته وهدايته لهم إلى
هذه الطاعات التي يستحقون بها الثواب الجزيل ، فقد أراد من الجميع هذه الطاعات
وفعل الشكر وإن كان فيهم من يعصيه ولا يشكره ، فثبت بدلالة هذه الآية أن الله لم يرد
من أحد أن يعصيه ولا أن يترك فروضه وأوامره ، بل أراد من الجميع أن يطيعوه
ويشكروه ، مع ما دلت العقول عليه بأن فاعل ما أريد منه مطيع للمريد متبع لأمره ، فلو
كان الله تعالى مريدا للمعاصي لكان العصاة مطيعين له ، فدلالة العقول موافقة لدلالة
الآية . والله سبحانه وتعالى الموافق للصواب .
باب الأكل والشرب والجماع ليلة الصيام
قال الله تعالى : ( أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ) إلى قوله : ( ثم أتموا
الصيام إلى الليل ) . روي محمد عن ابن عباس أن ذلك كان في الفرض الأول من الصيام بقوله
تعالى : ( كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ) وأنه كان صومه ثلاثة أيام
من كل شهر ، وأنه كان من حين يصلى العتمة يحرم عليهم الطعام والشراب والجماع إلى
القابلة ، رواه عطية عن ابن عباس . وروى عكرمة عن ابن عباس مثله ، ولم يذكر أنه كان
في الصوم الأول . وروى عطاء عن ابن عباس ( أنه كان إذا صلى العتمة ورقد حرم عليه
الطعام والشراب والجماع ) . وروى الضحاك ( أنه كان يحرم ذلك عليهم من حين يصلون
العتمة ) . وعن معاذ ( أنه كان يحرم ذلك عليهم بعد النوم ) . وكذلك ابن أبي ليلى عن
أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قالوا : ثم إن رجلا من الأنصار لم يأكل ولم يشرب حتى نام ، فأصبح
صائما فأجهده الصوم ، وجاء عمر وقد أصاب امرأته بعدما نام فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فأنزل الله تعالى : ( أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ) ونسخ به تحريم الأكل
والشرب والجماع بعد النوم .
أحكام القرآن — صفحة 274
مساهمون: الجصاص
ص٢٧٤