بالأنثى ) ، قوله في سياق الآية : ( فمن عفي له من أخيه شئ ) لا دلالة فيه على
خصوص أول الآية في المسلمين دون الكفار ، لاحتمال الأخوة من جهة النسب ، ولأن
عطف بعض ما انتظمه لفظ العموم عليه بحكم مخصوص لا يدل على تخصيص حكم
الجملة على ما بيناه فيما سلف عند ذكرنا حكم الآية ، وكذلك قوله تعالى : ( وكتبنا
عليهم فيها أن النفس بالنفس ) [ المائدة : 45 ] يقتضي عمومه قتل المؤمن بالكافر ، لأن
شريعة من قبلنا من الأنبياء ثابتة في حقنا ما لم ينسخها الله تعالى على لسان رسوله عليه
السلام ، وتصير حينئذ شريعة النبي عليه السلام ، قال الله تعالى : ( أولئك الذين هدى الله
فبهداهم اقتده ) [ الأنعام : 90 ] . ويدل عن أن ما في هذه الآية وهو قوله : ( النفس
بالنفس ) إلى آخرها هو شريعة لنبينا عليه السلام ، قوله عليه السلام في إيجابه القصاص
في السن في حديث أنس الذي قدمنا حين قال أنس بن النضر : لا تكثر ثنية الربيع :
( كتاب الله القصاص ) وليس في كتاب الله السن بالسن إلا في هذه الآية ، فأبان النبي عليه
السلام عن موجب حكم الآية علينا ، ولو لم تلزمنا شريعة من قبلنا من الأنبياء بنفس
ورودها لكان قوله كافيا في بيان موجب حكم هذه الآية ، وأنها قد اقتضت من حكمها
علينا مثل ما كان على بني إسرائيل ، فقد دل قول النبي عليه السلام هذا على معنيين ،
أحدهما : لزوم حكم الآية لنا وثبوته علينا ، والثاني : اخباره أن ظاهر الكتاب قد ألزمنا
هذا الحكم قبل إخبار النبي عليه السلام بذلك ، فدل ذلك على ما حكاه الله في كتابه مما
شرعه لغيره من الأنبياء فحكمه ثابت ما لم ينسخ ، وإذا ثبت ما وصفنا وليس في الآية فرق
بين المسلم والكافر وجب إجراء حكمها عليهما . ويدل عليه قوله عز وجل : ( ومن قتل
مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا ) [ الإسراء : 33 ] وقد ثبت بالاتفاق أن السلطان المذكور
في هذا الموضع قد انتظم القود ، وليس فيها تخصيص مسلم من كافر فهو عليهما . ومن
جهة السنة ما روي عن الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن سلمة ، عن أبي هريرة : أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب يوم فتح مكة فقال : ( ألا ومن قتل قتيلا فوليه بخير النظرين بين أن
يقتص أو يأخذ الدية ) . وروى أبو سعيد المقبري عن أبي شريح الكعبي عن النبي صلى الله عليه وسلم
مثله . وحديث عثمان وابن مسعود وعائشة عن النبي عليه السلام : ( لا يحل دم امرئ
مسلم إلا بإحدى ثلاث : زنا بعد إحصان وكفر بعد إيمان وقتل نفس بغير نفس ) . وحديث
ابن عباس أن النبي عليه السلام قال : ( العمد قود ) . وهذه الأخبار يقتضي عمومها قتل
المسلم بالذمي . وروى ربيعة ابن أبي عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن السلماني : أن النبي
عليه السلام أقاد مسلما بذمي وقال : ( أنا أحق من وفى بذمته ) . وقد ورى الطحاوي عن
سليمان بن شعيب قال : حدثنا يحيى بن سلام ، عن محمد بن أبي حميد المدني ، عن
محمد بن المنكدر ، عن النبي عليه السلام مثله .
أحكام القرآن — صفحة 172
مساهمون: الجصاص
ص١٧٢