من مالها نصف الدية ، فقول يرده ، ظاهر الآي الموجبة للقصاص ويوجب زيادة حكم غير
مذكور فيها . وقد روى قتادة عن أنس : ( أن يهوديا قتل جارية وعليها أوضاح لها ، فأتي به
النبي صلى الله عليه وسلم فقتله بها ) . وروى الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن
جده ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الرجل يقتل بالمرأة ) . وأيضا قد ثبت عن عمر بن
الخطاب قتل جماعة رجال بالمرأة الواحدة من غير خلاف ظهر من أحد من نظرائه مع
استفاضة ذلك وشهرته عنه ، ومثله يكون إجماعا .
ومما يدل على قتل الرجل بها من غير بدل مال ، ما قدمنا من سقوط اعتبار
المساواة بين الصحيحة والسقيمة وقتل العاقل بالمجنون والرجل بالصبي ، وهذا يدل على
سقوط اعتبار المساواة في النفوس ، وأما ما دون النفس فإن اعتبار المساواة واجب فيه
والدليل عليه اتفاق الجميع على امتناع أخذ اليد الصحيحة بالشلاء . وكذلك لم يوجب
أصحابنا القصاص بين الرجال والنساء فيما دون النفس ، وكذلك بين العبيد والأحرار ،
لأن ما دون النفس من أعضائها غير متساوية .
فإن قال قائل : هلا قطعت يد العبد ويد المرأة بيد الرجل كما قطعت اليد الشلاء
بالصحيحة ! قيل له : إنما سقط القصاص في هذا الموضع لاختلاف أحكامها لا من جهة
النقص ، فصار كاليسرى لا تؤخذ باليمنى . وأوجب أصحابنا القصاص بين النساء فيما
دون النفس لتساوي أعضائهما من غير اختلاف في أحكامهما ، ولم يوجبوا القصاص فيما
بين العبيد فيما دون النفس ، لأن تساويهما إنما يعلم من طريق التقويم وغالب الظن . كما
لا تقطع اليد من نصف الساعد ، لأن الوصول إلى علمه من طريق الاجتهاد . وعندهم أن
أعضاء العبد حكمها حكم الأموال في جميع الوجوه ، فلا يلزم العاقلة منها شئ ، وإنما
يلزم الجاني في ماله ، وليس كذلك النفس لأنها تلزم العاقلة في الخطأ وتجب فيها الكفارة
ففارق الجنايات على الأموال ، والله أعلم .
باب قتل المؤمن بالكافر
قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر وابن أبي ليلى وعثمان البتي : ( يقتل
المسلم بالذمي ) . وقال ابن شبرمة والثوري والأوزاعي والشافعي : ( لا يقتل ) . وقال
مالك والليث بن سعد : ( إن قتله غيلة قتل به وإلا لم يقتل ) .
قال أبو بكر : سائر ما قدمنا من ظواهر الآي يوجب قتل السلم بالذمي على ما
بينا ، إذ لم يفرق شئ منها بين المسلم والذمي ، وقوله تعالى : ( كتب عليكم القصاص
في القتلى ) عام في الكل ، وكذلك قوله تعالى : ( الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى
أحكام القرآن — صفحة 171
مساهمون: الجصاص
ص١٧١