مهما صار أحدوّة تحدو بها الحداة ، وأغاني تغنّي به الجواري في أندية الملوك والخلفاء والأمراء ، وتناغي بها الأمّهات الرضّع في المهود ، ويرقّصنهم بها بعد الفطام في الحجور ، ويلقّنها الآباء أولادهم على حين نعومة الأظفار ، فينمو ويشبّ وفي صفحة قلبه أسطر نوريّة من الولاء المحض بسبب تلك الأهازيج .
وهذه الناحية - الفارغة اليوم - لا تسدّها خطابة أيّ مفوّه لسن ، ولا تلحقه دعاية أيّ متكلّم ، كما يقصر دون إدراكها السيف والقلم .
وأنت تجد تأثير الشعر الرائق في نفسيّتك فوق أيّ دعاية وتبليغ ، فأيّ أحد يتلو ميميّة الفرزدق « 1 » فلا يكاد أن يطير شوقا إلى الممدوح وحبّا له ؟
أو ينشد هاشميّات الكميت « 2 » فلا يمتلئ حجاجا للحقّ ؟
أو يترنّم بعينيّة الحميري « 3 » فلا يعلم أنّ الحقّ يدور على الممدوح بها ؟
أو تلقى عليه تائيّة دعبل « 4 » فلا يستاء لاضطهاد أهل الحقّ ؟
أو تصكّ سمعه ميميّة الأمير أبي فراس « 5 » فلا تقف شعرات جلدته ؟ ثمّ لا يجد كلّ عضو منه يخاطب / القوم بقوله :
هامش
( 1 ) راجع : حلية الأولياء لأبي نعيم : 3 / 139 رقم 235 ، تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي :
ص 329 الباب 12 ، جواهر العقدين للسمهودي : القسم الثاني 1 / 339 ، نهاية الأرب :
21 / 327 ، رشفة الصادي : ص 189 ، الأغاني : 21 / 378 ، مرآة الجنان : 1 / 239 ، ديوان الفرزدق : أول قافية الميم ، مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب : 4 / 183 ط . المحقّقة ، وأوردها بتمامها العلّامة المجلسي في بحار الأنوار : 46 / 125 وفي حاشيته جملة من مصادر الفريقين ممن أورد القصيدة وقصتها .
( 2 ) راجع الصفحات 270 فما بعدها من هذا الجزء .
( 3 ) راجع الصفحات 316 فما بعدها من هذا الجزء .
( 4 ) راجع الصفحات 495 فما بعدها من هذا الجزء .
( 5 ) راجع : 3 / 545 فما بعدها من هذا الكتاب .