يقول : إذا أمسيت فلا تنتظر الصّباح ، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء ، وخذ من صحّتك لمرضك ، ومن حياتك لموتك « 1 » .
* قال العلماء رضي اللّه عنهم في شرح هذا الحديث : معناه لا تركن إلى الدّنيا ، ولا تتّخذها وطنا ، ولا تحدّث نفسك بطول البقاء فيها ، وبالاعتناء بها ، ولا تتعلّق منها بما لا يتعلّق به الغريب في غير وطنه ، ولا تشتغل فيها بما لا يشتغل به الغريب الذي يريد الذّهاب إلى أهله .
* وأنشدنا بعض شيوخنا لبعضهم رحمهم اللّه ورضي اللّه عنهم ، ونفع بهم :
أيا فرقة الأحباب لا بدّ لي منك * ويا دار دنيا إنّني راحل عنك
ويا قصر الأيام ما لي وللمنى * ويا سكرات الموت ما لي وللضّحك
وما لي لا أبكي لنفسي بعبرة * إذا كنت لا أبكي لنفسي فمن يبكي
ألا أيّ حيّ ليس بالموت موقنا * وأيّ يقين منه أشبه بالشكّ
الحديث الرابع : روينا في « كتاب الترمذي » عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يدخل الفقراء الجنّة قبل الأغنياء بخمس مائة عام » « 2 » . قال الترمذي :
حديث حسن صحيح .
* وكان بعض الفقراء الواجدين ، يغنّي ويبكي ، ويقول في غنائه :
قال لنا حبيبنا ال * يوم لهم وغد لنا
الحديث الخامس : روينا في « صحيح مسلم » عن جابر رضي اللّه عنه ، أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مرّ بالسّوق ، والنّاس كنفته ، فمرّ بجدي أسكّ ميّت ، فتناوله ، وأخذ بأذنه ، ثم قال : « أيّكم يحبّ أنّ هذا له بدرهم ؟ » فقالوا : ما نحبّ أنّه لنا بشيء ، وما نصنع به ؟ قال : « أتحبّون أنّه لكم ؟ » قالوا : واللّه ، لو كان حيّا كان عيبا ، لأنّه أسكّ ، فكيف وهو ميت ؟ ! فقال : « واللّه للدّنيا أهون على اللّه من هذا عليكم » « 3 » .
ومعنى « كنفته » : عن جانبيه . والأسكّ : الصّغير الأذن .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري 11 / 202 في الرقاق ، باب في الأمل وطوله ، والترمذي ( 2335 ) في الزهد ، باب ما جاء في قصر الأمل .
( 2 ) الترمذي ( 2354 ) في الزهد ، باب ما جاء أن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم .
( 3 ) رواه مسلم ( 2957 ) في الزهد والرقائق ، أو له .