إنسان إلى الشيخ ، وقال : يا سيدي ، نذرت للفقراء كذا وكذا من الحبّ ، فأخذه الحراميّة .
وجاء آخر إليه أيضا ، وقال : نذرت للفقراء ثورا ، فنهب . فقال لهما الشيخ : قد وصل إلى الفقراء متاعهم . فبقي الفقهاء يضربون يدا على يد متندمين على ترك موافقة الفقراء « 1 » .
* وكان الشيخ رضي اللّه عنه ينكر السّماع « 2 » ، ويقاتل من يتعاطاه في أوّل أمره ، ثم رجع عن ذلك في الآخر ، وسببه أنّه قدم عليه بعض المشايخ الكبار في جمع من الفقراء ، عازمين على أن يدخلوا عليه قريته بالسّماع ، فأمر أهل قريته أن يخرجوا لقتالهم بالعيدان ، وخرج معهم ، فلمّا تقاربوا ، والقادمون في حال السماع ، أخذه حال ، وصار يدور كما يدور أهل السماع الواجدون ، فتعجّب أصحابه منه ، وكلّموه في ذلك ، فقال : وعزّة من له العزّة ، ما درت حتى رأيت السماء دارت « 3 » .
* وأنشدوا « 4 » :
يرنّحني إليك الشّوق حتّى * أميل من اليمين إلى الشّمال
كما مال المعاقر عاودته * حميّا الكأس حالا بعد حال
ويأخذني لذكراك ارتياح * كما نشط الأسير من العقال
* وكان هذا الشيخ رضي اللّه عنه صبّاغا ، أعني يصبغ النّاس ، وينقلهم من الصّفات الدّنية إلى الصفات السّنية .
* روي أنّه وقفت بين يديه مغنية ، فغشيت ووقعت ، فلمّا أفاقت ، طلبت التوبة وصحبة الفقراء ، وكانت من المترفات المترعّنات « 5 » ، فقال لها الشيخ : إنّا نذبحك ، أتصبرين على الذبح ؟ فقالت : نعم . فأمرها أن تسقي الماء للفقراء . فمكثت ستّة أشهر تحمل الماء على ظهرها ، قد تبذّلت وتبدّلت عن حالها الأول . ثم قالت للشيخ : إنّي قد اشتقت إلى ربّي .
فقال لها الشيخ : يوم الخميس تلقين ربّك . فماتت يوم الخميس رحمها اللّه « 6 » .
هامش
( 1 ) روض الرياحين 364 ( الحكاية : 316 ) .
( 2 ) في هامش ( ج ) : السماع كلّ ما يستلذه الإنسان من صوت حسن طيب .
( 3 ) روض الرياحين 328 ( الحكاية : 279 ) .
( 4 ) الأبيات للشريف الرضي . انظر الديوان صفحة 423 .
( 5 ) في هامش ( أ ) : الرعونة ضد الخشونة ، أي المنعّمات .
( 6 ) روض الرياحين 364 ( الحكاية : 316 ) .