بكلام حسن ، أعجبت منه ، فلمّا رأى إعجابي قال : لا تعجب ، أتدري من أين هذا ؟ هذا من بركة مجالستي أبا القاسم الجنيد .
* وذكر الجنيد أنّ شيخه العارف باللّه السريّ رضي اللّه عنهما ، كان يقول له : تكلّم على الناس ، قال الجنيد : وكان في قلبي حشمة « 1 » من الكلام على الناس ، وكنت أتّهم نفسي في استحقاق ذلك ، فرأيت النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم في المنام في ليلة جمعة ، فقال لي : تكلّم على الناس .
فانتبهت ، وأتيت باب السّريّ قبل أن أصبح ، فدققت عليه الباب . فقال : لم تصدّقنا حتّى قيل لك . فقعد للنّاس في الجامع بالغداة ، وانتشر في الناس أنّ الجنيد قد قعد يتكلّم على الناس ، فوقف عليه غلام نصرانيّ متنكّر ، وقال : أيّها الشيخ ، ما معنى قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :
« اتّقوا فراسة « 2 » المؤمن فإنّه ينظر بنور اللّه » ؟ « 3 » ، فأطرق الجنيد ثم رفع رأسه ، وقال :
أسلم ؛ فقد حان وقت إسلامك ، فأسلم الغلام « 4 » .
* وروي أنّ النّجيب بن النجيب أبا المعالي إمام الحرمين « 5 » رضي اللّه عنه ، كان يدرّس يوما في المسجد بعد صلاة الصّبح ، فمرّ عليه بعض شيوخ الصوفية ، ومعه أصحابه من الفقراء ، وقد دعوا إلى بعض المواضع ، فقال إمام الحرمين في نفسه : ما شغل هؤلاء إلّا الأكل والرقص . فلمّا رجع الشيخ من الدعوة مرّ عليه ، وقال : يا فقيه ، ما تقول فيمن يصلّي الصّبح وهو جنب ، ويقعد في المسجد ويدرّس العلوم ، ويغتاب الناس ؟ فذكر إمام
هامش
( 1 ) في ( أ ) و ( ج ) : الحشمة بالكسر : الحياء .
( 2 ) جاء في هامش ( أ ) : الفراسة نوعان : أحدهما ما يوقع في قلوب أوليائه ، فيعلمون بعض للآخر ، بنوع كرامة وإصابة الظنّ والحدس ، ومنه « اتقوا فراسة المؤمن ، فإنه ينظر بنور اللّه » . والثاني يتعلم بالدلائل والتجارب والخلق والأخلاق .
( 3 ) رواه الترمذي ( 3127 ) في التفسير ، باب ومن سورة الحجر ، وفي سنده عطية العوفي ، وهو ضعيف .
( 4 ) روض الرياحين 210 ( الحكاية : 132 ) .
( 5 ) عبد الملك بن عبد اللّه بن يوسف الجويني ، أبو المعالي ، ركن الدين الملقب بإمام الحرمين ( 419 - 478 ه ) أعلم المتأخرين ، من أصحاب الشافعي ، جاور في مكة أربع سنين ، ثم ذهب إلى المدينة ، فأفتى ودرّس جامعا طرق المذاهب ، ثم عاد لبلده نيسابور ، فكان يحضر دروسه أكابر العلماء ، له مصنفات كثيرة .