يقينهم ، وشدّة صدقهم ، فهم المحبّون المحبوبون « 1 » .
* ومن ذلك أيضا : قضية أبي حمزة الخراساني ، قال : حججت سنة من السنين ، فبينما أنا أمشي إذ وقعت في بئر ، فنازعتني نفسي أن أستغيث ؛ فقلت لها : لا واللّه ، لا أستغيث ، فما استتمّ هذا الخاطر حتى مرّ برأس البئر رجلان ، فقال أحدهما للآخر : تعال حتى نسدّ رأس هذا البئر ، لئلا يقع فيه أحد ، فأتوا بقصب وبارية « 2 » ، وطمسوا رأس البئر ، فهممت أن أصيح ، ثم قلت في نفسي : إلى من هو أقرب منهما ، فسكتّ ، فبينما أنا بعد ساعة إذا بشيء جاء وكشف عن رأس البئر ، وأدلى رجله ، وكأنّه يقول تعلّق بي في همهمة « 3 » منه ، كنت أعرف منه ذلك ، فتعلّقت به ، فأخرجني ، فإذا هو سبع ، فمرّ وهتف بي هاتف : يا أبا حمزة ، أليس هذا أحسن ؟ نجّيناك من التّلف بالتّلف ، فمشيت وأنا أقول :
نهاني حيائي منك أن أكشف الهوى * وأغنيتني بالفهم منك عن الكشف
تلطّفت في أمري فأبديت شاهدي * إلى غائبي واللّطف يدرك باللّطف
تراءيت لي بالغيب حتى كأنّما * تبشّرني بالغيب أنّك في الكفّ
أراك وبي من هيبتي لك وحشة * وتؤنسني باللّطف منك وبالعطف
وتحيي محبّا أنت في الحبّ حتفه * وذا عجب كون الحياة مع الحتف
« 4 » * ولمّا سعي بالصوفية إلى بعض الخلفاء ، أمر بضرب رقابهم ، فأمّا الجنيد فتستّر بالفقه ، وكان يفتي على مذهب أبي ثور « 5 » ، وأمّا الشحّام ، والرقّام ، والنّوريّ فقبض عليهم ، وبسط النّطع « 6 » ؛ لضرب رقابهم ، فتقدّم النّوريّ ، فقال السياف : أتدري إلى
هامش
( 1 ) روض الرياحين 553 .
( 2 ) البارية : الحصير المنسوج .
( 3 ) في هامش ( أ ) : أصل الهمهمة صوت البقر ، وتستعمل في كل كلام خفي .
( 4 ) روض الرياحين 189 ( الحكاية : 117 ) .
( 5 ) أبو ثور هو إبراهيم بن خالد الكلبي البغدادي أحد أئمة الدنيا فقها وعلما وورعا وخيرا ، صنف الكتب ، وفرّع على السنن . كان أولا يتفقه بالرأي ويتكلم فيه ، ويذهب إلى قول أهل العراق حتى قدم الشافعي بغداد ، فاختلف إليه ، ورجع عن الرأي إلى الحديث . له مسائل في الفقه أغرب فيها .
انظر طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 2 / 74 .
( 6 ) في هامش ( ج ) : النطع بالكسر ، والفتح ، وبالتحريك ، وكنعب : بساط من الأديم .