فكنّا إذا قرأنا أوراقا منه تجارينا في فنون الآداب ، واجتنينا من فوائد ثمار الألباب ، ورتعنا في رياض ألفاظه ومعانيه ، والتقطنا الدرّ المنثور من فيه ؛ فأجرى يوما بعض الحاضرين ذكر الأصمعي ، وأسرف في الثناء عليه ، وفضّله على أعيان العلماء في أيامه . فرأيته كالمنكر مما كان يورده .
وكان مما ذكر في محاسنه « 1 » أن قال : من ذا الذي يجسر أن يخطّئ الفحول من الشعراء غيره ؟ فقال أبو علي : وما الذي ردّ عليهم ؟
فقال الرجل : قد أنكر على ذي الرمة مع إحاطته بلغة العرب ومعانيها ، وفضل معرفته بأغراضها ومراميها ، وأنه سلك نهج الأوائل في وصف المفاوز إذا « 2 » لعب السراب فيها ، ورقص الآل في نواحيها .
ونعت الحرباء ، وقد شبح على جذله « 3 » ، والظليم ، وكيف ينفر من ظلّه ، وذكر الرّكب وقد مالت طلاهم من غلبة المنام ، حتى كأنهم صرعتهم كؤوس المدام ، فطبّق مفصل الإصابة في كلّ باب ، وساوى الصّدر الأول من أرباب الفصاحة ، وجار القروم البزل من أصحاب البلاغة .
فقال له الشيخ أبو علي : وما الذي أنكر على ذي الرمة ؟ فقال : قوله « 4 » :
( الطويل )
هامش
( 1 ) في معجم الأدباء : " وكان فيما ذكر من محاسنه " .
( 2 ) في طبعة بولاق : " إذ " ولقد أثبتنا رواية النسخة الشنقيطية .
( 3 ) في طبعة بولاق والنسخة الشنقيطية : " وقد سنح " . وهو تصحيف صوبناه .
أراد بقوله هذا قول ذي الرمة : ديوانه ص 47 :وقد جعل الحرباء يبيضّ لونه * ويخضرّ من لفح الهجير غباغبهويشبح بالكفين شبحا كأنّه * أخو فجرة عالي به الجذع صالبهالحرباء : دابة أصغر من الضب يستقبل الشمس ويتلون غباغب جلده . يشبح : يمدّ كفّيه كأنه مصلوب يعلى على عود " .
( 4 ) صدر بيت لذي الرمة ؛ وعجزه :* وما بال تكليم الرسوم البلاقع *والبيت لذي الرمة في ديوانه ص 356 ؛ والأشباه والنظائر 6 / 201 ؛ وتاج العروس ( أيه ) ؛ وإصلاح المنطق ص 291 ، 301 ؛ وتذكرة النحاة ص 658 ؛ ورصف المباني ص 344 ؛ وسر صناعة الإعراب 2 / 494 ؛ وشرح المفصل 4 / 31 ، 71 ، 9 / 30 ؛ وكتاب العين 4 / 104 ؛ ولسان العرب ( أيه ) ؛ وما ينصرف وما لا ينصرف ص 109 ؛ -