انتهى .
وهذا مبنيّ على تفسير الضرورة بما لا مندوحة للشاعر عنه . وهذا فاسد من وجوه تقدّم بيانها في شرح أوّل شاهد . وعند الجمهور هو من الضّرورة ، ومعناها ما وقع في الشعر ، سواء كان عنه مندوحة أو لا .
قال اللخمي : جعل موقفا ، وهو نكرة ، اسم يك ، والوداع وهو معرفة الخبر ، ضرورة لإقامة الوزن . وحسّن الضرورة فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنّ النكرة « 1 » قد قربت من المعرفة بالصّفة .
والثاني : أنّ المصدر جنس ، فمفاد نكرته ، ومعرفته واحد .
والثالث : أنّ الخبر هو المبتدأ في المعنى .
وقال صاحب اللباب : وهما ، أي : المرفوع والمنصوب بكان ، على شرائطهما في باب الابتداء . وزعم بعض المنتمين إلى هذه الصّنعة أن بناء الكلام على بعضهما « 2 » من غير تقدير دخول على المبتدأ والخبر سائغ ، بدليل قوله :
* ولا يك موقف منك الوداعا *
وليس بمحمول على الضرورة ، إذ لا يتمّ المعنى المقصود إلا هكذا ، إذ لو عرّفهما لم يؤدّ أنّه لم يرخّص أن يكون ما سوى ذلك من المواقف وداعا . ولو نكّرهما لم يؤدّ أنّ الوداع ، قد كرّه إليه حتّى صار نصب عينيه . ولو عرّف الأول ونكّر الثاني لجمع بين الهجنتين .
والجواب بعد تسليم جميع ما ذكره أنّه لو أراد إيراد هذا المعنى بطريق النفي دون النهي ، لا بدّ أن يقول : ما موقف منك الوداع ، بعين ما ذكره . على أنّ المقصود أن لا يكون الوداع موقفا منها « 3 » فيكون من باب القلب ، مثل ما في قول الآخر :
* يكون مزاجها عسل وماء *
هامش
( 1 ) في طبعة بولاق : " النكرات " . ولقد أثبتنا رواية النسخة الشنقيطية .
( 2 ) في حاشية طبعة هارون 9 / 286 : " أي بعض النكرات والمعارف دون تقيد بالنوع " .
( 3 ) في النسخة الشنقيطية : " على أن المقصود لا يكون الوداع منها " .