وأما قضيّة المغيرة بن شعبة فقد كانت في سنة سبع عشرة ، وهي أنّ المغيرة كان عمر بن الخطّاب قد ولّاه البصرة ، وكان في قبالة العلّيّة « 1 » التي فيها المغيرة بن شعبة علّيّة فيها أربعة ، وهم أبو بكرة مولى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأخوه لأمّه زياد ابن أبيه ، ونافع بن كلدة ، وشبل بن معبد ، فرفعت الريح الكوّة عن العليّة ، فنظروا إلى المغيرة وهو على أمّ جميل بنت الأرقم بن عامر بن صعصعة ، وكانت تغشى المغيرة ، فكتبوا بذلك فعزل المغيرة واستقدمه مع الشهود .
فلما قدم إلى عمر شهد أبو بكرة ونافع وشبل على المغيرة بالزّنى ، وأمّا زياد بن أبيه فلم يفصح بشهادة الزّنى ، فقال : رأيته جالسا بين رجلي امرأة ورأيت رجلين مرتفعتين ونفسا يعلو ، واستا تربو عن ذكر ، ولا أعلم ما وراء ذلك . فقال عمر :
هل رأيت الميل في المكحلة ؟ فقال : لا . فقال : هل تعرف المرأة ؟ قال : ولكن أشبّهها .
فأمر عمر بالثلاثة الذين شهدوا بالزّنى أن يحدّوا حدّ القذف فجلدوا . وكان زياد أخا أبي بكرة لأمّه ، فلم يكلمه أبو بكرة بعدها . انتهى ما نقلته عن أخبار البشر .
وقال أبو عبيد البكريّ في « شرح أمالي القالي » « 2 » : كتاب مثالب العرب أصله لزياد بن أبيه ؛ فإنّه لما ادّعى أبا سفيان أبا ، علم أنّ العرب لا تقرّ له بذلك مع علمهم بنسبه ، فعمل كتاب المثالب وألصق بالعرب كلّ عيب وعار وباطل ، وإفك وبهت .
ثم ثنّى على ذلك الهيثم بن عديّ وكان دعيّا ، فأراد أن يعرّ أهل الشرف تشفّيا منهم .
ثم جدّد ذلك أبو عبيدة معمر بن المثنّى وزاد فيه ، لأنّ أصله كان يهوديا ، أسلم جدّه على يدي بعض آل أبي بكر ، فانتمى إلى ولاء تيم .
ثم نشأ غيلان الشعوبي الورّاق ، وكان زنديقا ثنويّا لا يشكّ فيه ، فعمل لطاهر ابن الحسين كتابا خارجا عن الإسلام ، بدأ فيه بمثالب بني هاشم وذكر مناكحهم وأمّهاتهم ، ثم بطون قريش ثم سائر العرب ونسب إليهم كلّ كذب وزور ، ووضع عليهم كلّ إفك وبهتان . ووصله عليه طاهر بثلاثين ألفا .
هامش
( 1 ) العلية : الغرفة - وتقال بضم العين وبكسرها - .
( 2 ) سمط اللآلئ ص 807 - 808 ؛ وحواشي البيان والتبيين 3 / 5 .