قال : إذا كانت « كم » خرا جاز فيهما بعدها الجر والرفع والنصب ، وإنما جررته بكم لأنّ « كم » نقيضة ربّ ، ومن أصولهم حمل الشيء على نقيضه .
ألا ترى أنّ ربّ للقلة و « كم » للكثرة ! فلما كانت بهذه المنزلة أجريت مجرى ربّ .
وإن نصب ما بعدها فجائز لأنّها عدد في الحقيقة ، والأعداد تبيّن مرة بالنصب ومرة بالجر .
وإذا كان هذا جائزا في الأعداد فعلى أيّ وجه أردت جاز . الرفع إذا قلت : كم رجل أتاني ، صارت « كم » في معنى مرار ، فتكون في موضع نصب بأتاني ، ويكون رجل مبتدأ ، وأتاني خبره .
قال أبو عمرو : لا يكون ما تبيّن به كم إلّا نكرة ، وذلك لأنها عدد ، والأعداد لا تبيّن إلّا بالنكرات .
والنصب في الخبر جائز ، لأنّها عدد في الحقيقة ، وإن كان الوجه الجر . والحسن أن تنصب إذا فصلت بينها وبين ما أضيف إليها ، لأنّ الفصل بين المتضايفين قبيح .
فلما قبح نصبوه لأنّها في الحقيقة عدد ، ورجل يفسّر ويوضّح .
وأما قول الشاعر : « كم بجود مقرفا » البيت ، فنصب مقرفا فسّر به كم « 1 » لأنّه حال بينه وبين كم بقوله بجود ، وتكون « كم » في موضع رفع بالابتداء ، وهي في المعنى فاعلة ، كما تقول : زيد قام ، فزيد مبتدأ ، وإن كان فاعلا في المعنى . ويجوز الجر لأنّك حلت بين كم وبين ما عملت فيه بظرف .
فأمّا قول الفرزدق :
* كم عمّة لك يا جرير وخالة *
فأمّا النصب في العمّة فتجعل « كم » رفعا بالابتداء وحلبت خبرها ، وعمة تفسير العدد ، كأنه قال : عشرون عمة حلبت . والجرّ على ما تقدّم من الكلام .
وأمّا الرفع في العمّة فتكون « كم » في موضع نصب ، وتكون « كم » في معنى مرار فتصير ظرفا للحلب .
هامش
( 1 ) في طبعة بولاق والنسخة الشنقيطية : " فسره بكم " . والوجه ما أثبتناه كما اقترح مصحح طبعة بولاق .