قال النحاس : وهذا عند سيبويه رديء ، لأن هذه العلامة إنّما تقع في الوقف ولا تقع في الوصل ، فلما اضطرّ أجراه في الوصل على حاله في الوقف .
وأنشد أبو الحسن بن كيسان :
أتوا ناري فقلت : منون قالوا : * سراة الجنّ قلت : عموا ظلاما
وقال : إنّما حكى كيف كان كلامه وجوابه . انتهى .
وهذه الرواية هي رواية أبي زيد في « نوادره » « 1 » كما يأتي . ففي الرواية الأولى شذوذان كما في المفصل : إلحاق العلامة في الدرج ، وتحريك النون . وفيه أيضا كما قال ابن الناظم في « شرح الألفية » أنه حكى مقدّرا غير مذكور . وفي الثانية شذوذ واحد ، وهو تحريك النون .
قال ابن جنّي في « الخصائص » : من رواه : « منون قالوا » فإنه أجرى الوصل مجرى الوقف . فإن قلت : فإنّه في الوقف إنما يكون « منون » ساكن النون « 2 » وأنت في البيت قد حرّكته . فهذا إذن ليس على نيّة الوقف ولا على نيّة الوصل .
فالجواب : أنه إنّما أجراه في الوصل على حدّه في الوقف ، فلمّا أثبت الواو والنون التقيا ساكنين ، فاضطرّ حينئذ إلى أن حرّك النون لإقامة الوزن .
فهذه الحركة إذن إنما هي حركة مستحدثة لم تكن في الوقف ، وإنّما اضطرّ إليها في الوصل .
وأمّا من رواه : « منون أنتم » فأمره مشكل . وذلك أنّه شبّه « من » ب « أيّ » ، فقال : منون أنتم ، على قوله : أيّون أنتم . فكما حمل هاهنا أحدهما على الآخر كذلك جمع بينهما ، في أن جرّد من الاستفهام كل منهما . ألا ترى إلى حكاية يونس عنهم : ضرب من منا ، كقولك : ضرب رجل رجلا . انتهى .
وقوله : « أتوا ناري فقلت » إلى آخره ، الفاء عطفت جملة قلت على أتوا .
وهي للترتيب الذّكري ، وهو عطف مفصّل على مجمل ، نحو « 3 » :
« فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ »
. وجملة « منون أنتم » من المبتدأ والخبر محكيّة
هامش
( 1 ) نوادر أبي زيد ص 123 .
( 2 ) في النسخة الشنقيطية : " إنما يكون ساكن النون " . وهو تصحيف صوابه من طبعة بولاق والخصائص .
( 3 ) سورة البقرة : 2 / 36 .