وقال أبو نصر : أراد بالمفاصل مفاصل الجبل حيث يقطر الوشل ، وذلك أصفى من مياه المناقع والعيون .
وقيل : أراد يشاب بماء كالدمع صفاء ، فالمفاصل شؤون الرأس ، وهي تسمّى مفاصل ومواصل ، والدمع منها يخرج . وهذا كما يقال : جئتك بخمرة كماء العين وأصفى من الدمع ، فالتشبيه حاصل في هذا الوجه ، وهو عندي حسن . والمراد بماء العين الدمع لا غير .
وقال أبو سعيد : ماء المفاصل الدم ، وأراد بالماء الخمر وشبّهها به . وقال ابن الأعرابيّ : ماء المفاصل ماء اللحم التي شبّه حمرته بحمرته . وعهدة هذين القولين عليهما .
وقوله : « رآها الفؤاد » الخ ، أضاف الرؤية إلى الفؤاد تحقيقا للأمر ، لأنّ العين رائد القلب ، فكأنّها أدركت بالعين أوّلا ، ثم تؤوّلت بالفكر في محاسنها ثانيا ، فتمكّن الحب بإعادة النظر وبسط الفكر .
وقوله : « فاستضلّ ضلاله » ، قال الأصمعيّ : هو كما يقال : جنّ جنونه .
وكشف هذا أنّ للنفس شهوة في المستحسنات قد تضلّ بها عندها ، فتسمّى تلك الشهوة ضلالا لكونها سببا فيه ، ثم إذا غلب عليها شيء يستتبع تلك الشهوة قيل استضلّ ضلال فلان ، أي : طلب منه أن يضلّ فضلّ .
وقال بعضهم : أراد استزيد ضلاله ، أي : زيد ضلاله ضلالا ؛ كأنّه لما تفكر في محاسنها وتقصّاها ازداد بها ولوعا ، فجعل ذلك استضلالا للضلال .
وقال الأخفش : هذا كما يقال : خرجت خوارجه ، والمعنى دواخله ، فسماها بما آلت به ، فكذلك أراد استضلّ رشاده فقال : ضلاله ، لرجوعه إليه . ومثله :
( البسيط )
* يدعون حمسا ولم يرتع لهم فزع *
أي : لم يرتع أمنهم . وهذا كثير .
وقوله : نيافا ، نصب على الحال . و « النّياف » : الطويلة المشرفة « 1 » ، ومنه أناف
هامش
( 1 ) في طبعة بولاق : " المترفة " . وهو تصحيف صوابه من شرح أشعار الهذليين والنسخة الشنقيطية .