هذا الشعر ! قال : فسقط في أيدينا ليمينه ، ثم اجتمعنا على قصد عبيد اللّه . فحدّثنا بعض أصحابنا السعديّين قال : فيمّمناه نتخطّى إليه الأحياء ، فصادفناه في مسجد يصلي بين العشاءين ، فلمّا سمع حسّنا أوجز في صلاته .
ثم أقبل علينا فقال : ما حاجتكم ؟ فبدر رجل منا كان أحسننا بقيّة « 1 » فقال :
نحن ، أعزّ اللّه القاضي ، قوم نزعنا إليك من طريق البصرة « 2 » في حاجة مهمّة ، فيها بعض الشيء ، فإن أذنت لنا قلنا . فقال : قولوا . فذكر يمين الرجل والشّعر . فقال :
أمّا قوله : إنّ التي ناولتني ، فإنّه يعني الخمر . وقوله : قتلت أراد مزجت بالماء .
وقوله : « كلتاهما حلب العصير » ، يعني الخمر ومزاجها ، فالخمر عصير العنب ، والماء عصير السحاب ، قال اللّه تعالى « 3 » :
« وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً »
.
انصرفوا إذا شئتم .
وأقول : إنّ هذا التأويل يمنع منه ثلاثة أشياء :
أحدها : أنّه قال كلتاهما وكلتا موضوعة لمؤنثين ، والماء لمذكر والمذكر أبدا يغلّب على التأنيث ، كتغليب القمر على الشمس في قول الفرزدق « 4 » :
* لنا قمراها والنّجوم الطّوالع *
أراد : لنا شمسها وقمرها . وليس للماء اسم آخر مؤنث فيحمل على المعنى كما قالوا : « أتته كتابي فاحتقرها » ؛ لأنّ الكتاب في المعنى صحيفة .
والثاني : أنّه قال : أرخاهما للمفصل ، وأفعل هذا موضوع لمشتركين في معنى ،
هامش
( 1 ) في طبعة بولاق والنسخة الشنقيطية : " نقشة " . وهو تصحيف صوابه من الأغاني .
البقية : الفهم وثقوب الذهن ، كما في قوله تعالى :" أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ ".
( 2 ) في الأغاني : " من طرف البصرة " .
( 3 ) سورة النبأ : 78 / 14 .
( 4 ) عجز بيت للفرزدق ؛ وصدره :* أخذنا بآفاق السماء عليكم *وهو الإنشاد الثالث والعشرون بعد التسعمائة في شرح أبيات المغني للبغدادي .
والبيت للفرزدق في ديوانه 1 / 419 ؛ والأشباه والنظائر 5 / 107 ؛ وشرح أبيات المغني 8 / 88 ؛ وشرح شواهد المغني 1 / 13 ، 2 / 964 ؛ ومغني اللبيب 2 / 687 . وهو بلا نسبة في لسان العرب ( شرق ، قبل ) ؛ والمقتضب 4 / 326 .