فقال : أيها الأمير ، إني كنت مع سعيد بن عثمان ، وقد بلغك رأيه فيّ ، ورأيت جميل أثره عليّ ، وإني اخترتك عليه فلم أحظ منك بطائل ، وإنّي أريد أن تأذن لي في الرجوع .
فقال له : إنّي اخترتك كما اخترتني ، واستصحبتك حين سألتني ، فقد أعجلتني عن بلوغ محبّتي فيك ، وقد طلبت الإذن لترجع إلى قومك فتفضحني عندهم ، وأنت على الإذن قادر بعد أن أقضي حقّك . فأقام وبلغ عبّادا أنّه يسبّه وينال من عرضه .
وأجرى عبّاد الخيل يوما فجاء سابقا ، فقال ابن مفرّغ « 1 » : ( الرجز )
سبق عبّاد وصلّت لحيته * وكان خرّازا تجود قربته
قال المدائنيّ : لما بلغ عبّادا هذا الشعر دعا به والمجلس حافل ، فقال له : أنشدني هجاء أبيك الذي هجي به . فقال : أيّها الأمير ، ما كلّف أحد قطّ مثل مما كلّفتني به ! فأمر غلاما عجميّا « 2 » أن يصبّ على رأسه السوط إن لم ينشد ، فأنشده أبياتا هجى بها أبوه أوّلها « 3 » : ( الكامل )
قبح الإله ولا أقبّح غيره * وجه الحمار ربيعة بن مفرّغ
وجعل عبّاد يتضاحك به ، فخرج ابن مفرّغ وهو يقول : واللّه لا يذهب شتم شيخي باطلا « 4 » .
فطلب عليه العلل ودسّ إلى قوم كان لهم عليه ديون أن يقتضوا مالهم عليه ، ففعلوا فحبسه وضربه ، وأمر ببيع سلاحه وخيله وأثاثه ، وقسّم ثمنها بين غرمائه ، ثم بعث إليه أن بعني الأراكة وبردا ، وكانت الأراكة قينة لابن المفرّغ وبرد غلامه ، ربّاهما وكان شديد الضنّ بهما ، فبعث إليه ابن مفرّغ : أيبيع المرء نفسه أو ولده ؟
هامش
( 1 ) الرجز ليزيد في ديوانه ص 85 ؛ والأغاني 18 / 258 ؛ والشعر والشعراء ص 277 .
وفي ذيل اللآلئ ص 85 : " وقوله : تجود قربته ، أي : لم يكن يتقن خرزها فيتسرب الماء منها " . والبيت في أنساب الخيل ص 128 ؛ منسوب لعبد الملك بن مروان .
( 2 ) كذا في طبعة بولاق والنسخة الشنقيطية . وفي الأغاني 18 / 260 : " . . . أعجميا " .
( 3 ) البيت وخبره في الأغاني 18 / 260 .
( 4 ) في حاشية الطبعة السلفية 4 / 246 : " العبارة نثرية ، وهي مقتبسة من قول امرئ القيس :والله لا يذهب شيخي باطلا * حتى أبير مالكا وكاهلا" . وما بعده من الخبر في الأغاني من رواية عمر بن شبة ولقيط بن بكير .