أيضا حجّة ؛ وقوله تعالى « 1 » :
« لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ »
أي : ومن ظلم لا يحبّ أيضا الجهر بالسّوء منه - وكذا قال السيّد المرتضى في أماليه في أحد أوجه إلّا في قوله تعالى « 2 » :
« خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ »
إنّ إلّا بمعنى الواو - وأورد هذا البيت وغيره شاهدا لمجيء إلّا بمعنى الواو « 3 » - وأجاب البصريّون أنّ إلّا في البيت بمعنى غير ، وفي الآيات للاستثناء المنقطع .
« ثانيها » ما ذهب إليه الكسائيّ . أنّ أصله إلّا أن يكون الفرقدان ؛ وقد ردّ سيبويه هذا القول كما بيّنه الشارح المحقّق .
قال أبو عليّ - في « الإيضاح الشّعريّ » - : أنشد سيبويه هذا البيت « 4 » وقال : لا يجوز أن يكون قوله : إلّا الفرقدان ، على تقدير إلّا أن يكون الفرقدان .
وإنّما لم يجز هذا لأنّك لا تحذف الموصول ، وتدع الصلة ، لأنّ الصّلة تذكر للتخصيص والإيضاح للموصول ، فإذا حذفت الموصول لم يجز حذفه وذكرك ما يكون إيضاحا له .
ونظير ذلك أجمعون في التوكيد ، لا يجوز أن تذكره وتحذف المؤكّد . فإن قلت :
لم لا يكون كالصفة والموصوف في جواز حذف الموصوف وذكر الصفة ، وكذلك تحذف الموصول وتذكر الصلة ؟ قلت : لم يكن في هذا كالوصف إذا كان مفردا ؛ ألا ترى أنّ الوصف إذا كان مفردا كان كالموصوف في الإفراد ؛ وإذا كان مثله جاز وقوعه مواقع الموصوف ، من حيث كان مفردا مثله ، مع استقباح لذلك .
فأمّا الصّلة فلا تقع مواقع المفرد ، من حيث كانت جملا ، كما لم يجز أن تبدل الجمل من المفرد ، من حيث كان البدل في تقدير تكرير العامل ، والعامل في المفرد لا يعمل في لفظ الجملة ، فكذلك لا يجوز أن تحذف الموصول وتقيم الصلة مقامه . فإن قلت : هلّا جاز حذفها كما جاز حذف الصّلات وإبقاء الموصولة ، كقوله : « بعد اللتيا والتي » « 5 » ؟ قلت : إبقاء الموصول وحذف الصلة أشبه من عكس ذلك ، لأنّ
هامش
( 1 ) سورة النساء : 4 / 148 .
( 2 ) سورة هود : 11 / 107 .
( 3 ) أمالي المرتضى 2 / 87 - 91 .
( 4 ) في طبعة بولاق والنسخة الشنقيطية : " على البيت " . والتصحيح للشنقيطي في نسخته .
( 5 ) إشارة إلى قول العجاج في ديوانه 1 / 420 ؛ وتهذيب اللغة 14 / 347 ؛ وشرح أبيات سيبويه 2 / 73 ؛ -